تفسير الاصحاح الثالث من رسالة يعقوب
لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي،
عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم" [1].
لإيمان الميت الذي بلا أعمال يدفع بالإنسان إلى تغليف نفسه بمظهر التعليم، فيُكثِر الكلام والتوبيخ والانتهار بغير انسحاق داخلي. لهذا تُلزِم الكنيسة جميع خدامها ورعاتها أن يكون لهم آباء اعتراف حتى لا ينسوا بنيانهم الروحي في وسط الخدمة والتعليم. وينصح الرسول بولس تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم".
لكن يدفع الكبرياء بعض الخدام والعلمانيين حتى أنهم ظنوا في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون، لهذا أكمل الرسول قائلاً:
"لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا".
إن كان أحد لا يَعْثُر في الكلام،
فذاك رجل كامل، قادر أن يُلْجِم كل الجسد أيضًا" [2
[[
انتقل الرسول من الحديث عن حب التعليم دون التعلم إلى كثرة الكلام المُعثر. فمن لا يلجم لسانه لا يستطيع أن يضبط الجسد كله، أي حياته كلها، أما من يلجمه فيكون رجلاً كاملاً، أي فيه رجولة ونضوج روحي.
وقد ضرب الرسول أمثلة على خطورة اللسان فقال:
أ. "هوذا الخيل تضع اللُّجُم في أفواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله" [3].
اللُّجُم لا تدير الرأس كله فحسب بل الجسم كله، أي السلوك كله. إذًا فلنقل للرب: "احْفَظْ لفمي كِمامةً فيما الشر مُقابلي" (مز 39:1) حتى لا يركض جسدنا كالخيل ويُطَوِّح بالنفس البشريّة على الأرض محطمة.
ب."هوذا السفن أيضًا وهي عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدًا إلى حيثما شاء قصد المدير]4[. هكذا اللسان أيضًا هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا".
السفن مع ضخامتها يديرها الربان بدفة صغيرة، ومتى أساء الربان استخدامها يفقد السفينة وكلما عليها.
ج. "هوذا نار قليلة، أي وقود تحرق. فاللسان نار عَالَمُ الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويُضْرِم دائرة الكون ويُضْرَم من جهنم"]5-6[.
شرارة بسيطة كفيلة بحرق غابة ضخمة، لهذا "لا تدع فمك يجعل جسدك يخطيء" (جا 5: 6).
كيف نضبط اللسان؟
"لأن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يُذَلَّل، وقد تَذَلَّل للطبع البشري. وأما اللسان فلا يستطيع أحد أن يُذَلِّله" ]7-8[.
يقول القديس أغسطينوس:
[لم يقل الرسول أنه لا يوجد من يُذَل اللسان بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته
يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!...
إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا".
إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون أسواطًا في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له
"هو شر لا يضبط مملوءسمًا مميتًا" [8].
سرّ شره ليس في طبعه لكن في انحرافه عن عمله، فتارة يبارك الله، وأخرى ينحرف ليلعن الناس
ألَعَل ينبوعًا ينبع من عين واحدة، العذب والمر؟
هل تقدر يا اخوتي تينة أن تصنع زيتونًا أو كرمة تينًا؟
ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحًا وعذبًا"[9- 12].
اللسان الذي نبارك به الله في الصلاة، متى استخدمناه في إساءة الناس الذين هم على شبه الله، نوجه الإهانة إلى الله خالقهم، ونستهين بحبه الذي أحب به العالم كله حتى بذل ابنه الوحيد عنهم.
جيد للتينة أن تُخرِج تينًا، والزيتونة زيتونًا، ولكن لا يليق بالتينة أن تخرج زيتونًا. هكذا ليُخرِجْ اللسان حسبما يليق بعمل الإنسان ووظيفته،
"من هو حكيم وعالم بينكم فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة" [13].
لا تظهر الحكمة الحقيقيّة بكثرة المعرفة الذهنيّة، إنما تنكشف خلال:
1.العمل: "فَلْيُرِأعماله بالتصرف الحسن".
.الوداعة: يقول الرسول "في وداعة الحكمة"، إذ المعرفة الحكيمة هي المملوءة وداعة وتواضعًا بلا كبرياء أو عجرفة.
ولكن إن كان لكم غيرة مُرَّة وتَحَزُّب في قلوبكم
فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق.
ليست هذه الحكمة نازلة من فوق،
بل هي أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة.
لأنه حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء"[14- 16].
حيث توجد الغيرة المُرَّة والتَحَزُّبتكون الحكمة زائفة.
فجيد للإنسان أن تكون له غيرة (2 كو 11: 2)، لكن لا تكون مُرَّة أي شريرة[66]. لأنها لا تكون مبنية على أساس الحق، بل على التعصب الأعمى والتهور، وذلك كما فعل بطرس حين استل السيف وقطع أذن عبد رئيس الكهنة. .
ما مصادر الحكمة الزائفة فهي:
أ. أرضية،أي نابعة عن محبة العالم، من يمتلكها لا يرتفع قلبه للسماويات
ب.نفسانية، أي صادرة عن الذات البشريّة، يركز الإنسان خدمته حول الأنا فلا يريد أن تختفي لِيَظْهَر الرب
ج.شيطانية، أي باعثها الخفي هو الشيطان. فإذ سقط بالكبرياء لا يكفَّ عن أن يبث الكبرياء في البشر تحت ستار الحكمة واللباقة
أما الحكمة الحقيقية فمصدرها ومميزاتها هي:
"وأما الحكمة التي من فوق
أولاً طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة
وأثمارًا صالحة عديمة الريب والرياء
وثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام"[17- 18].
مصدر الحكمة السماوية من فوق نازلة من عرش الله القدوس (حك 9: 4، 9)، يمنحها الله لأولاده المثابرين المتمسكين به. أما مميزاتها فهي:
أ.طاهرة،أي نقيّة بلا غرض مُلتوٍ، تَهَب صاحبها قلبًا طاهرًا وحياة عفيفة.
ب.مسالمة، أي مملوءة سلامًا، إذ قيل عنهاإن كل طرقها سلام، إذ بالحكمة ينجذب الإنسان تجاه الله، ويمتليء قلبه سلامًا
ج.مترفقة، إذ يمتليء القلب بالسلام تجاه الغير ويعمل لبنيان الآخرين، يترفق بالكل مهما كانت الأخطاء والضعفات، واضعًا نصب عينيه كيف يربح الجميع.
د.مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة: وحيث توجد الطاعة لابد من الثمر الصالح.
ز.عديمة الريب: أي ثابتة غير متزعزعة ولا منقسمة، لها هدف واحد واضح، تكشف الطريق السماوي بوضوح رغم ما فيه من آلام وأتعاب.
س.عديمة الرياء: أي لا تحمل في خارجها بخلاف ما في باطنها،
ش.تَهَب "ثمر البرّ يزرع في السلام (الأمان) من الذين يفعلون السلام" إذ بالحكمة يحصد الإنسان ثمر البرّ