المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة فى رسالة بولس الرسول الى أهل رومية


keeroo atef
06-30-2010, 07:48 PM
مقدمة فى رسالة بولس الرسول الى أهل رومية "Romans"
الإختصار: رو= RO


**محور السفر:-

+ الخطية، الخلاص، النمو، السيادة، الخدمة

+ ربنا يسوع المسيح برنا

+ التبرير بالإيمان العملي الحي




** مدينه روما:-

يرى البعض أن كلمة "روما"


من أصل يوناني تعني "قوة"،


وكانت تستخدم بمعنى "مع السلامة"، إذ تعني "ليكن لك صحة قوية" ؛


ويرى البعض انها تعني "مرتفع". وربما دُعيت هكذا لسببين


أولا


لأن رومليوس أسسها عام753 ق.م. فحملت إسمه،


ثانيا


لأنها بنيت على مكان مرتفع على أكمة من الآكام السبع هناك.

وقد اتسعت لتمتد فتشغل كل الآكام.


وفي منتصف القرن السادس ق.م أحيطت بسور يضم المدينة كلها مع ضخامتها، محيطة حوالي خمسة اميال، به 19 باباً .


+ صارت عاصمة الدولة الرومانية، يقدر تعدادها في القرن الأول بحوالي مليون نسمة من أمميين ويهود وسادة وعبيد.


+ قبلت المسيحية إما بواسطة المستوطنين اليهود والدخلاء الذين حضروا يوم الخمسين (اع 2: 10) أو بعض التجار المسيحيين، وربما عن طريق بعض تلاميذ الرسول بولس الذين ذكر أسماءهم في الإصحاح الأخير، ولقد أعلن الرسول بولس كرسول الأمم شوقه لزيارتهم وخدمتهم، حيث لم يكن بعد قد كرز بها رسول من قبل (15: 20،10:1-11).




** تاريخ الرسالة:-

+ كتب الرسول بولس الرسالة إلى أهل مدينة رومية في آخر رسالته التبشيرية الثالثة، حوالي عام 57 م أو 58 م، من كورنثوس في بيت غايس وارسلت على يد فيبى الخادمة أو شماسة الكنيسة التى فى كنخريا التابعة لكورنثوس (رو1:16، ختام الرسالة)، بعدما أتم خدمته في الشرق واستعداداً لزياره روما وهو في طريقه إلي أسبانيا بعد ما يسلم ما جمعه من عطايا للمؤمنين في أورشليم (15:22 -28).




** غاية الرسالة:-

+ تأسيس الإيمان المسيحي (التبرير بالمسيح).


+ إذ حدث شقاق فكري بين بعض المسيحيين من أصل يهودي والذين من أصل أممي، فقد كانت غالبية كنيسة روما من اليهود ولكنها كانت تضم عدداً كبيراً من الأمم، فبعث الرسول هذه الرسالة يقدم نفسه للرومانيين معلناً لهم بأن الخلاص للعالم أجمع بلا تميز ولا محاباة، لذا فموضوع الرسالة هو التبرير بالايمان العملي الحي.


+ هى أول رسائل بولس الرسول فى الأهمية فيها التعليم الذى بنى عليها كتاباته فى رسائله الأخرى.




** مفتاح السفر:-

"اني لست استحي بانجيل المسيح لانه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي اولا ثم لليوناني، لان فيه معلن بر الله بايمان لايمان كما هو مكتوب اما البار فبالايمان يحيا" (1: 16، 17)، "فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" (5: 1).




**مجمل الرسالة:-

لما كان صلب الرسالة هو الرد علي المسيحيين الذين من أصل يهودي الراغبين في العودة إلي حرفية أعمال الناموس، لهذا أعلن في الافتتاحية مفهوم الدعوة للقداسة وعمل الناموس والأنبياء ليدخلوا بنا إلى الابن الوحيد، موضحا مفهوم القداسة، وعمومية التمتع بالنعمة لجميع الأمم أن الخلاص للعالم أجمع بلا تميز ولا محاباة فلا ينكر أهمية الناموس وأيضا الأنبياء ولا يتجاهل أيضاً شرور الأمم حتى يشجع من له اتجاهات يهودية علي متابعة الحديث.




ويمكن تقسيم الرسالة عموما إلي:-



+ الحاجة إلي مخلص (ص 1- 3).

+ التبرير بالمخلص (ص 4- 5).

+ التبرير حياة وليس موقف (ص 6- 8).

+ دور اليهود في الخلاص (ص 9- 11).

+ حياة المؤمن في الكنيسة والمجتمع والعلاقات (ص12-16) (نص السفر هنا بموقع أنبا تكلاهيمانوت).




كما يمكن أستعراض الرسالة كلاتي:

** أولا:- الله لا يحابى:

1- مسئولية اليهود عن رفضهم المخلص ص 2.

2 - خضوع الكل يهود وأمم - تحت الحكم ص 3.




** ثانيا:- الدعوى بأنهم أولاد إبراهيم:

1 - إبراهيم دعي وهو في الغرلة ص 4.

2 - اليهود والأمم، الكل أبناء أب واحد ص 5.

3 - الكل صاروا أحرارا ص 6.




** ثالثا:- اتكالهم علي استلامهم للناموس:

1 - الناموس يكشف الخطية ولا يبررها ص 7.

2 - الناموس يؤكد الحاجة إلى بر النعمة ص 8.




**رابعا:- اتكالهم علي أنهم شعب الله المختار:

1 - الله الذي اختارهم يختار أيضا الأمم ص 9.

2 - اختيار الله لنا لا يفقدنا حرية الإرادة ص 10 .

"الذي لم يشفق علي إبنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء ؟ " (8: 32).




**خامسا:- تحذير لمن هم من الأمم ص11

+ إن كان الرسول في حديثه مع من هم من أصل يهودي يؤكد لهم عمومية الخلاص مفندا حججهم الأربع السابقة فإنه من الجانب الآخر إذ يتحدث مع من هم من أصل أممي محذرا إياهم من كبرياء اليهود مؤكدا أن الله لم يرفض كل اليهود بل منهم من قبل الإيمان وأنه في نهاية الدهور البقية منهم لهم مستقبل الإيمان.

+ إن كان الله لم يشفق علي الأغصان الطبيعية بسبب كبريائها فانه لن يشفق علي من هم من الزيتونه البرية إن سقطوا في العجرفة.

+ أن كان عصيان اليهود فتح الباب للأمم لقبول الإيمان فكم تكون البركات حين يقبلون الإيمان ؟




** سادسا:- الجانب العملي ص 12 - 15

(أ): وصايا خاصة بحياة المؤمن:

+ تقديس الحياة 12: 1- 2.

+ إضرام المواهب 3 - 13.

+ محبة الآخرين 14 - 21.


(ب): وصايا خاصة بعلاقة المسيحي بالوطن:

+ الخضوع للرؤساء 13: 1 -7.


(ج): وصايا خاصة بعلاقة المسيحي بالغير 13: 8 -14.


(د): علاقة المسيحي بضعيف الإيمان ص 14، ص 15: 1- 15.


(و): وصايا خاصة بعلاقة الرسول بهم 15: 14 - 33.

"البسوا الرب يسوع " 13: 14




** سابعا:- الختام ص 16


+ يكشف هذا الإصحاح الختامي عن مشاعر الأبوة الحانية التي للرسول واهتمامه العجيب بكل شخص، معطيا إياه صفة خاصة به، أو مادحا إياه.

+ لا ينسي أن يقدم تته علي تعب كل واحد منهم سواء من أجله أو من أجل الخدمة.

+ يدعو هذا "حبيبى" وذاك "نسيبى" ويقول عن هذه إنها أمه الخ.. إنه يؤمن بتقديس مشاعر الحب التى تتدفق بطهارة ونقاوة في المسيح يسوع.

keeroo atef
07-01-2010, 05:43 PM
يمثل هذا الأصحاح مقدمة للرسالة، فيها يكشف الرسول عن جوهر الرسالة كلها، إذ لا يقدم افتتاحية شكلية تحمل مجاملة لطيفة لأهل رومية، وإنما يكتب بحكمة ليكشف في كلمات قليلة عن "إنجيل الله"، وفاعليته في حياة المؤمنين. كما يعلن خلالها عن مركز الرسول في الرب وفكره وحكمته ورسالته واشتياقاته الروحية. ولما كان الرسول يود أن يقاوم حركة التهوّد، لا في هجوم سلبي، وإنما بفتح كل قلب إيجابيًا لحب خلاص كل الأمم يبدأ بإبراز أخطاء الأمم أولاً ليعطي فرصة لأصحاب حركة التهوّد (أي للمطالبين بالعودة إلى أعمال الناموس الموسوي الحرفية) ألا يشعروا أنه إنسان متحيز للأمم على حسابهم، إنما هو محب للكل.

تكشف افتتاحية هذه الرسالة كما في باقي الرسائل عن جانب هام من منهج الرسول بولس في خدمته ومعاملاته، فإنه بروح الحكمة يشجع ويسند، حتى إن أراد أن يحاور أو يوبخ، فإن كان يكتب في جوهر الرسالة عن مشكلة حركة التهوّد التي سببت متاعب كثيرة للكنيسة، لكن بروح الحب يكسب من يوجه إليهم رسالته، إذ يعلن في الافتتاحية الآتي:

أولاً: تزكيته لإيمانهم: "أولاً أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم، أن إيمانكم ينادى به في كل العالم"
ثانيًا: بجانب كشفه عن جوانب نجاحهم يعلن حبه نحوهم بالصلاة من أجلهم، مشهدًا الله نفسه على أعماقه المتسعة نحوهم: "فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم"
ثالثًا: حبه مترجم عمليًا ليس فقط بذكرهم المستمر بلا انقطاع في صلواته، وإنما بشوقه الحقيقي لرؤيتهم ليهبهم "هبة روحية" هي إنجيل المسيح، الذي يثبتهم ويعزيهم كما يعزيه هو أيضًا، الإنجيل الذي يفرح قلب السامعين والكارزين معًا، إذ يقول: "متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم، لأني مشتاق أن أراكم، لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أي لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني"
رابعًا: كان الرسول ليس فقط خاضعًا لمشيئة الله التي سمحت له بتأجيل ذهابه إلى روما بالرغم من حبه الشديد لافتقادها، لا بهدف أرضي وإنما بتقديم "هبة روحية" هي "إنجيل الله"، وإنما أعلن الرسول تواضعه بقوله: "لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني"
خامسًا: يرى القديس إكليمنضس السكندري في حديث الرسول هنا التعزية التي ينالها كما ينالونها هم خلال الإيمان المشترك، إنما يعني أن الإيمان يحمل حركة نمو مستمر
سادسًا: إذ يعلن حبه عمليًا بشوقه لزيارتهم بل ومحاولاته العملية وقد مُنع حتى لحظات الكتابة، يكشف عن رسالته، بقوله: "ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم. إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء، فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا، لأني لست استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص، لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني، لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب: أما البار فبالإيمان يحيا" [13-17].

إذ يواجه القدّيس بولس حركة التهوّد ليُعلن عن عمومية الخلاص لليوناني كما لليهودي، لم يبدأ بضعفات اليهود وشرورهم، بل بالعكس يتحدّث بصراحة ووضوح عن شرور الأمم، لكي يكون ذلك مدخلاً لنقد اليهود أيضًا، في صراحة وتفنيد كل حججهم دون اتهامه بالمحاباة. فقد وُجّه إليه هذا الاتهام: "إنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد" (أع 21: 21). هذا ما دفع الرسول إلى البدء بإعلان شرور الأمم ومسئوليتهم عنها، ليس تشهيرًا بهم ولا تحقيرًا، وإنما كمدخل لاجتذاب اليهود المتنصّرين لقبولهم معهم في العضوية في الجسد الواحد على قدَم المساواة، إذ يُعلن أن الأممي كاسر للناموس الطبيعي واليهودي كاسر للناموس الموسوي، لذلك صار الكل في حاجة إلى تدخل إلهي كي يتبرّروا لا بالناموس الطبيعي ولا بالناموس الموسوي، وإنما بالإيمان بالمسيح يسوع مخلص الجميع.

أولاً: إن كان الله قد أعطى اليهود الناموس الموسوي، فإنه لم يهمل الأمم ولا تركهم بلا شاهد لنفسه بينهم، فقد أعلن نفسه خلال الطبيعة المنظورة، إذ يقول: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر" [20].
"الله لم يترك نفسه بلا شاهد فإن السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). يُعلن قدرته السرمدية ولاهوته خلال أعمال الخليقة الفائقة، التي أقامها بكلمته، لا لاستعراض إمكانياته، وإنما من أجل أعماق محبته لنا. فحب الله الفائق غير المنظور نلمسه خلال رعايته العجيبة، إذ قدّم لنا هذه المصنوعات لراحتنا.
بينما يتهم الرسول بولس البشر أنهم يحجزون الحق بالإثم [18]، وكأن الإنسان يتفنن في اختراع الطرق الأثيمة المتنوعة ليحجز "الحق" فلا يُعلن، إذ بالله يُعلن "الحب" لنا بطرق متنوعة خلال المصنوعات المباركة التي هي من عمل يديه. الإنسان يستميت في حجز الحق، والله يبذل لإعلان الحب السرمدي!

ثانيًا: لم يستطع الأممي خلال هذه المعرفة المعلَنة بالناموس الطبيعي، والمُسجلة خلال المنظورات أن يخلص، بل على العكس أخذ موقف المقاومة التي تظهر في الآتي:
أ‌. "لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجّدوه أو يشكروه كإله، بل حمَقوا في أفكارهم، واِظلمّ قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات"
ب‌. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة
ج. ربّما يعتذّر البعض بأن ما يرتكبوه من شرور هو ثمرة ضعف الطبيعة البشريّة وجرْيها وراء اللذّات بلا ضابط، لذا أوضح الرسول أن الإنسان في شرّه صار يمارس حتى ما هو مخالف للطبيعة، يسيء للطبيعة عنه لتحوّل حياتهم إلى جحيم، إذ يقول: "لأن إناثهم استبدلْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق".
د. قدّم صورة بشعة للإنسان في شرّه، إذ صار لا يطلب اللذّة الطبيعية فحسب، وإنما صار مفسدًا للطبيعة عِوض السُمو بها. فبدلاً من أن يرتفع بالروح، ليسمو بغرائزه الحيوانية، ليصير جسده بغرائزه مقدسًا للرب، صار في بشاعته مفسدًا للطبيعة، يفعل ما لا يرتكبه الحيوان خلال العلاقات الجسديّة الشاذة، سواء بين الإناث وبعضهن البعض أو الذكور وبعضهم البعض. الآن يقدّم لنا قائمة مرّة بما ترتكبه البشريّة المنحرفة، وقد لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يذكر في قائمته هذه التعبيرات: "مملوءين"، "من كل"، "مشحونين". وكأن الآثام لم تعد أمرًا عارضًا في حياة الإنسان، لكنها تملأ كيانه الداخلي، وتشحنه تمامًا ليرتكب لا إثمًا أو إثمين وإنما "كل إثمٍ"!
هـ. العجيب أن الخطايا والآثام تحطِّم سلام الإنسان وتفقده فرحه الداخلي، لكنها في نفس الوقت تدفع مرتكبها نحو العجرفة والكبرياء، لذلك جاءت القائمة تصفهم هكذا: "مفترين، مبغِضين لله، ثالبين، متعظمين..." [30]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى… إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة
و. إن تأملنا هذه القائمة من الآثام والشرور نشعر أن البشريّة إذ سلّمت نفسها بنفسها للعصيان ومقاومة الله مصدر حياتها وتقديسها، صارت ملهى للخطايا، كل خطيّة تلهو بالإنسان، لتُلقي به في أيدي خطايا أخرى، وهكذا يصير أضحوكة كل الآثام والشرور، ويمكننا هنا في شيء من الاختصار أن نورد ترتيب هذه القائمة هكذا:
1. يبدأ الإنسان يلهو بلذّة الجسد فيستسلم للزنا [29].
2. إذ يتقوقع الإنسان حول لذته الجسديّة، يطلب ما هو لذاته، حتى وإن بدا في الظاهر سخيًا ومبذِّرًا، لكن يتملكه حب الطمع، الأمر الذي يدفعه أيضًا إلى الخبث لتحقيق غايته هذه [29].
3. أمّا الطمع فيسبب حسدًا وخصامًا ومكرًا وربّما يؤدى إلى القتل [29].
4. هذا الحسد والمكر يدفع الإنسان إلى الاعتداد بذاته، فيصير متعاظمًا [30].
5. حب العظمة ينحرف بالإنسان إلى الابتداع وترك الحق [30].
6. رفض الحق يدفع الإنسان إلى تعدى الطبيعة، فيصير غير مطيعًا للوالدين [30].
7. إذ يتعدى الإنسان حتى أبسط نواميس الطبيعة يفقد الفهم [31]، ويكسر كل عهد طبيعي أو مكتوب، ويخسر طبيعة الحب والحنوّ [31]، بهذا يسقط تحت تحذير الرب: "لكثرة الإثم تفتر المحبّة" (مت 24: 12)، فيصير أبشع من الحيوانات المفترسة التي تتحد معًا كجماعات بحكم الغريزة، أمّا الإنسان فيكره أخاه.
ز. في هذا الانحدار البشري إلى ما هو أدنى من الطبيعة تبلّدت القلوب البشريّة فلم يستكينوا للشر فحسب، وإنما صاروا يفرحون بمن يسقط مثلهم، إذ يقول الرسول: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يُسرّون بالذين يعملون" [32].
ط. يلاحظ في هذا السفر بوجه عام أنه إذ يتحدّث عن الأمم يُعلن دور الناموس الطبيعي بكونه، كما يقول العلامة ترتليان، ناموس الله الذي يسود العالم منقوشًا على لوحي الطبيعة، لذلك يقول الرسول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس..." (2: 14). وفي هذا الأصحاح يتحدّث عن الأمم في شرٍ ككاسري ناموس الطبيعة الذين "يفعلون ما لا يليق" (1: 28)، كأن تستبدل الإناث "الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (1: 26). وعندما يتحدّث الرسول عن التزام المرأة بغطاء الرأس أثناء الصلاة، يقول: "أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم...؟" (1 كو 11: 14).
فالمسيحي إذن ملتزم بناموس الطبيعة، بل ويسمو ليبلغ لا إلى تكميل الناموس الموسوي، بل إلى الوصيّة الإنجيليّة العالية.

RORO EMAD
07-02-2010, 11:43 PM
ندرس فى هذا الاصحاح الجانب التعليمى وهو التبرير الايمان العامل بالمحبة
حاجة اليهودي للخلاص
إن كان الأممي قد سقط في شرور كثيرة ونجاسات، مقاومًا الناموس الطبيعي، فإنه لا يليق باليهودي أن يدينه، لأن الأول أخطأ بدون الناموس المكتوب، أمّا الثاني فبالناموس تعدى الوصيّة، وكأنه لم يخطيء فقط ولكنه أيضًا "تعدّى"، فصارت مسئوليته أعظم وعقابه أشد.

هذا ما أوضحه الرسول في هذا الأصحاح، وهو حديث نافع لنا نحن كمؤمنين، لأنه إن كان اليهودي الظاهر يُدان على حرفيته القاتلة بدون روح، فبالأولى المسيحي أن تمسّك بالشكل والاسم دون الحياة، يكون أشر من اليهودي وأبشع، مستهينًا بالدم الكريم.

هذا الحديث يمس بالأكثر حياة الخدام والرعاة، إذ يقدّم تحذيرًا لهم لئلاّ يسحبهم المجد الزمني وتلهبهم الكرامات عن الحياة الداخليّة الملتهبة بالروح والحق.

1. الناموس وإدانة الآخرين
يعالج الرسول بولس موضوع اعتداد اليهودي بنفسه لأنه مستلم الناموس دون سواه من بقية الأمم، ولم يدرك أن الناموس هو مرآة تفضح الخطيّة وتكشف عن الضعف. للأسف بدلاً من أن يستخدمه اليهودي لاكتشاف ضعفاته، فيصرخ إلى الله بالتوبة، طالبًا عمل المخلص، تقسّى قلبه مستخدمًا الناموس لفضح خطايا الاخرين إدانة الآخرين هي في ذاتها إعلان عن التعب الداخلي، كما فعل اليهود عندما أمسكوا بالزانية فأرادوا أن يتشفّوا فيها برجمها، أمّا الديّان فستر عليه بحبها .
هكذا يربط الرسول بولس بين إدانتنا نحن للآخرين وإدانة الله الديّان لنا، مبرزًا النقاط التالية:

أولاً: إذ نقيم أنفسنا ديّانين للإخوة ونحن مشتركون معهم في الضعف، نحكم على أنفسنا بأنفسنا خلال حكمنا على الغير
ثانيًا: بحكمك على أخيك ليس فقط تحكم على نفسك بذات تصرفك، وإنما غالبًا ما تخطئ أنت في الحكم، لأنك تحكم حسب الظاهر ولا تعرف أعماق الآخرين ودوافعهم، أمّا الله فيحكم عليك بحق، لأنه عالم بكل أسرارك.
هذا وقد أبرز الرسول بولس سمات دينونة الله التي تختلف تمامًا عن إدانتنا نحن للآخرين، ألا وهي:
أ. أنها "حسب الحق" .
ب. أنه لا يودّ العقوبة، إنما في غنى لطفه وإمهاله وطول أناته يودّ أن "يقتادك إلى التوبة".
ج. إنها عادلة ].
د. "سيجازي كل واحد حسب أعماله" .
ه. بدون محاباة
د. ليست حسب ما يعلمه الإنسان بل حسب ما يعمله ويحياه
ز. يدين الأعماق الداخليّة للضمير والفكر، أي سرائر الناس
ط. حسب حقيقة الإنسان الداخلي، لا مظهره كمتدينٍ أو كمعلمس

ثالثًا: أخطأ اليهود، خاصة قادتهم من الكتبة والفرّيسيّين أولاً بتحويل الناموس لا إلى مجال للحياة والعمل الروحي، وإنما لنقد الناس وإدانتهم بروح العجرفة والكبرياء، وثانيًا بكونهم إذ أدركوا لطف الله وطول أناته أساءوا استخدام هذه المعرفة لكن طول أناة الله علينا بالرغم من تسرّعنا نحن في الحكم على الآخرين لا يعني إعفائنا من العقاب، إنما حفظه للوقت المعيّن
القدّيس أغسطينوس
كثيرًا ما أحدثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب.
صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس.
طول الأناة تقدّم لنا منافع فإن لم نستفد منها نسقط تحت دينونة أشد
رابعًا: إن كان الله هو الديّان، لكنّنا نحن الذين "نذخر لأنفسنا غضبًا"... إذ يريد الله الرحمة مقدمًا كل وسيلة لعلّنا نقتنيها، أمّا الإنسان غير التائب فيحفظ لنفسه الغضب.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء،أنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه
خامسًا: إذ يتحدّث عن دينونة الله للبشر يبدأ أولاً بالحديث عن الصالحين الذين يكافئون بالحياة الأبدية، وبعد ذلك يتحدّث عن الذين يسقطون تحت الغضب
كأن الله يودّ أن يتمتّع الكل بنوال الحياة الأبدية خلال صبرهم في العمل الصالح، فينالون مجدًا وكرامة وخلودًا مع سلام أبدي
سادسًا:يؤكّد الرسول أن الله في حكمه لا يحابى ،
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من العدل أن من يستمتع بنصيب أوفر من المعرفة ينال نصيبًا أشد من العقاب أن تعدى الناموس. ومن ثمة، يكون عقابنا أشد كلما ازددنا في الحكمة والسلطان. إن كنت غنيًا يُطلب منك العطاء أكثر من الفقراء، وإن كنت صاحب حكمة أوفر تلتزم بالطاعة أكثر من غيرك، وإن نلت سلطانًا يلزمك تقديم أعمال أكثر بهاءً
المحاباة هي من سمات البشر، الذين ينحرفون عن الحق في الحكم مراعاة لحسب الإنسان أو نسبه أو غناه أو طلبًا لمنفعة ما، إذ يقول الرسول: "يحابون بالوجوه من أجل المنفعة"
يحذرنا الرسول يعقوب منها، قائلاً: "لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب
المجد في المحاباة
2. الناموس والحياة العمليّة
تحوّل الناموس في حياة اليهود عن غايته الإلهية، فعِوض أن يكون علّة إدراكهم لخطاياهم وشعورهم بالحاجة إلى عمل الله الخلاصي، تحوّل إلى تشامخ وكبرياء بأنهم عارفو الحق ومعلموه،
الناموس ليس مجالاً للافتخار بل للعمل، فإن كان الناموس يهب معرفة لوصية الله وإرادته، يلتزم أصحاب الناموس أن يمارسوا الوصيّة، وإلا سقطوا بالناموس تحت الدينونة، فيصيروا ليس كالأمميّين الذين يخطئون بدون الناموس يهلكون وإنما أشر منهم لأنهم يخطئون بمعرفة وهم تحت الناموس
ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تكون العقوبات واحدة في كل الخطايا بل هي متعددة ومتنوعة حسب الأوقات والأشخاص ورتبهم وفهمهم وظروفهم... فإن ارتكب كاهن زنًا تكون عقوبته مضاعفة جدًا بسبب الكرامة التي نالها
ثانيًا: من يُخطي في الناموس تكون عقوبته أشد، لأن الناموس أو المعرفة تشهد عليه في يوم الدين، لذلك فالناموس لا يُبرّر الإنسان لمجرد سماعه أو حفظه، وإنما بتنفيذه كله،
ثالثًا: في الوقت أظهر فيه الناموس كثقلٍ على اليهودي، إذ يكون شاهدًا عليه يوم الدين، معلنًا أن الاستماع له بالأذن دون القلب والعمل لن يبرّره أمام الله، رفع من شأن الأممي الذي لم ينل الناموس المكتوب
ولكي يزيد من مخاوفهم لا يكتفي بالقول: "خطايا الناس" بل يقول: "يدين الله سرائر الناس"، كي لا تظن أنه في مقدورك الهروب من دينونة الله... لأن الناس يقيمون القضاء لمحاكمة الأعمال العلنية (أما الله فيدين السرائر)... إذن ليدخل كل إنسان إلى أعماق ضميره ويحاسب نفسه بكل تدقيق،
ويرى الأب سيرينوس في هذه العبارة تأكيدًا لسلطان الإنسان على فكره، وإلا ما كانت أفكارنا وضمائرنا تشتكي علينا، إذ يقول: [إذا ما جاهدنا كبشر ضد الاضطرابات والخطايا، تصير هذه تحت سلطاننا وفق إرادتنا، فنحارب أهواء الجسد ونهلكها، ونأسر حشد خطايانا تحت سلطاننا، ونطرد من صدورنا الضيوف المرعبين، وذلك بالقوّة التي لنا بصليب ربنا، فنتمتع بالنصرة التي نراها في مثال قائد المئة
3. الناموس والتعليم
عرض الرسول بولس في الأصحاح السابق شرور الأمم مؤكدًا حاجتهم لنعمة الله المجانية لكي تسندهم وتدخل بهم إلى خلاص الله. أمّا في هذا الأصحاح فإذ يوجّه الحديث لليهود يكشف لهم أنهم أكثر احتياجًا إلى النعمة الإلهية من الأمم،
والآن لكي يوضّح الرسول بشاعة ما بلغ إليه اليهود، يُعلن أنهم عِوض أن يكرزوا بالناموس حيًا في حياتهم، صاروا معلّمين به بالكلام ومقاومين له بالعمل. حسبوا أنفسهم قادة الفكر الروحي، ونورًا للعالم، ومهذِّبين للأغبياء، ومعلِّمين للأطفال، لهم صورة العلم والحق في الناموس، بينما تُقدّم حياتهم وسلوكهم خلاف هذا تمامًا.
أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يستخدم أسلوبًا يناسبهم كأناس يدعون العلم والمعرفة، ويقيمون أنفسهم كمعلِّمين للعالم، يتهكَّمون بالكل ويسخرون بهميستخدم الرسول ذات كلماتهم: "قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلم للأطفال"، الألفاظ التي كان اليهود يطلقونها على من يتتلمذون لهم. تكراره هنا للعبارات هدفه أن يدركوا أن ما زعموه ميزة يفتخرون به هو علّة دينونتهم بالأكثر
ثانيًا: إن كان يليق بالمعلم الروحي أن يكون بالحق قائدًا للعميان، ونورًا للذين في الظلمة، ومهذبًا للأغنياء، ومعلمًا للأطفال، لكنه لا يمارس هذا بذاته، بل بالله نفسه الذي يعمل في خدامه، إذ يدخل إلى قلوب المخدومين فيقودها بنفسه ويضيء في داخلها ويهذّبها ويدرّبها كأطفال صغار. وقد جاء السيد المسيح متجسدًا ليقوم بهذا الدور التربوي الروحي، لا خلال تقديم وصايا فحسب، وإنما بتغيير القلب وتجديده على الدوام.

ثالثًا: لا يقف الرسول عند استخدام تعبيراتهم ذاتها لتوبيخهم، لأنهم احتلّوا مركز المعلِّمين للعالم الوثني وهم لا يمارسون شيئًا ممّا يعلمون به، وإنما انتقل بهم إلى اتهامهم أنهم يهينون الله نفسه الذي يظنون أنهم يعلمون الآخرين عنه
اهتم معلمو اليهود بالوعظ دون الحياة، ففقدت الكلمة قوّتها،
رابعًا: لا يقف الأمر عند إهانتهم لله خلال تعليمهم بشيءٍ وسلوكهم بآخرٍ، وإنما يستند الرسول إلى الأنبياء ليكيل لهم اتهامًا جديدًاخامسًا: ما هي غاية اليهودي في تعليمه الأممي؟ أن ينزعه من الغُرْلة لينقله إلى أهل الخِتان، ومن إنسان بلا ناموس إلى إنسان تحت الناموس. هذا الهدف يحقّقه اليهودي لكن في شكليّة بلا روح
أ. يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم[79] أن الرسول يشبه قاضيًا يريد أن يصدر حكمًا على أشخاص ذوي رُتب، فكان يليق به أولاً أن يجردهم من رتبهم، وعندئذ يحكم عليهم
وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لست أمنعك من شهوة المجد، إنما أريك المجد الحقيقي النابع عن الله... لنكن أنقياء في الخفاء، لا أن نتثقل بالاستعراضات والمظاهر والرياء. لنخلع بالأحرى ثياب الحملان، ولنكن بالحقيقة حملان، ليس شيء أتفه من المجد البشري. أن رأيت أطفالاً صغارًا رُضَّع، فهل تشتهي مجدًا منهم؟ هذا هو الحادث بالنسبة لكل البشر بخصوص المجد، لهذا دُعي "المجد الباطل

RORO EMAD
07-03-2010, 09:45 PM
بعد عرض الرسول لعلاقة البشريّة بالله انتهي إلى هذا الأصحاح ليُعلن أنه وإن اختلفت خطايا البشر عن بعضهم البعض، لكن النتيجة واحدة، وهي سقوط الكل تحت نير الخطيّة، أي إعلان أن الكل غير بار ويحتاج إلى تبرير حقيقي فعَال. بمعنى آخر جاء هذا الأصحاح أشبه بحكم عام على البشرية كلها أنها بلا برّ حقيقي، في عوز إلى من يبرّرها.
1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله
الاتهام الموجّه للبشرية كلها: إنها بلا بر،ّ أي بلا أمانة في قبول وعد الله لها، بالرغم من برّ الله في وعده لها؛ في هذا يشترك اليهودي مع الأممي، ويتساوى الكل. هذا الاتهام قد يُسيء اليهود فهمه فيحسبونه مستهينًا بما نالوه من امتيازات، لذلك جاء الاتهام مفصلاً بطريقة لائقة لا تجرح مشاعرهم، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
أولاً: أن كان الأممي قد كسر الناموس الطبيعي فهلك (ص 1)، واليهودي كسر الناموس المكتوب واستهان بالخِتان الروحي فسقط في دينونة أكثر مرارة من التي يسقط تحتها الأممي، يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول من1-4
خشي الرسول أن يُساء فهم حديثه السابق، فيظنه البعض أنه يقلل من شأن معاملات الله مع شعبه، خاصة تقديمه ناموسه كعطيّة يؤتمنوا عليها، أو اختيارهم كشعبٍ مقدس له، أو دخوله في عهد معهم مقدمًا الخِتان علامة عهد. لذلك أسرع ليؤكّد أن العيب لا في العطيّة ولا في العاطي، وإنما في عدم أمانة من تسلمها
[إن كان المقصود هو أن كل هذه الأشياء بلا قيمة، فلماذا دُعي الشعب؟ ولماذا أُقيم عهد الخِتان؟
ماذا يفعل الرسول هنا؟ وكيف يحل هذه المشكلة؟
يحلها بنفس الطريقة التي سبق فاتبعها، إذ تغني بهبات الله لا بفضل اليهود، فبكونهم يهودًا عرفوا إرادة الله، وأدركوا الأمور الأسمى، ذلك ليس بفضل عملهم الذاتي، إنما هو عمل نعمة الله.
قال بأن الخِتان ذو نفع إن أُقترن بفعل الصلاح (رو 2: 25) ولم يقل أن الخِتان بلا نفع،
تساءل: ما هو فضل اليهودي؟ لم يجب بالنفي، بل أكدَ فضله ليعود فيدحضهم موضحًا عقوبتهم خلال الميزات التي نالوها.
أردف السؤال بسؤال، قائلاً: أو ما هو نفع الخِتان؟
ويجيب على السؤالين، قائلاً: "كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله".
ترون إذن أنه في كل مناسبة يعدد نعم الله لا أفضال اليهود.
[3-4].
لاحظوا هنا كيف يبرز الاتهام في شكل اعتراض، وكأنه يقول: رب معترض يتساءل: ما نفع الخِتان إذًا ما داموا قد أساءوا استخدامه؟ وهو لا يقف هنا موقف المشتكي العنيف، إنما موقف من يلتزم بتبرير الله من الشكاوى الثائرة ضده، فيحولها من ضد الله إلى ضد اليهود. يقول لهم: لماذا تتذمّرون من أن البعض لم يؤمنوا؟ كيف يؤثر هذا في الله من جهة عطاياه، فهل نكران مستخدميها يغيَر من طبيعتها؟ أو يجعل من الأمر المكرّم هوانًا؟ هذا هو معنى تساؤله: "أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟" يجيبهم: "حاشا"، وكأنه يقول: لقد أكرمت فلانًا، فلم يقبل إكرامي، فهل يُحسب عدم قبوله الإكرام علّة شكوى ضدي؟ أو يقلّل هذا من إكرامي؟...
[ينصحنا بولس أيضًا ألا نضطرب حين يهلك الأشرار خارج الكنيسة، ولا يضعف إيماننا بمفارقة غير المؤمنين لنا... فمن جانبنا يلزمنا أن نجاهد ألا يهلك أحد تاركًا الكنيسة بسبب خطأ ارتكبناه، لكن أن هلك أحد بإرادته وخطيته ولا يودّ العودة أو التوبة والرجوع إلى الكنيسة، فإننا لا نُلام في يوم الدين، مادمنا كنّا مهتمين بإصلاحه، إنما يسقط هو وحده تحت الدينونة لرفضه العلاج بنصيحتنا الصالحةثانيًا: إذ عالج الرسول المشكلة الأولي وهي: ما نفع بركات الله ونعمه على اليهودي، إن كان اليهودي قد أساء استخدامها، فصارت البركات وهي مقدّسة ومباركة علّة عقوبة أعظم لمن أساء استخدامها؟ إذ أظهر الرسول أن بعضًا منهم كانوا غير أمناء، لكن يبقي الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتهم، وأنه لا يليق أن نشين كرامة واهب النعم، إن أساء الذين قبلوها استخدامها. الآن يعالج الرسول مشكلة أخرى مشابهة للأولى ومكمّلة لها، وهي كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الوثنيّين قد استهانوا بكلمات الرسول بولس: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا"... فحسبوا أن النتيجة الطبيعية لذلك هي أننا نخطيء لكي تزداد النعمة، أو بمعنى آخر لنكن غير أمناء فتتجلي أمانة الله.
أ. لا يتوقف عدو الخير عن محاربة خدمة السيد المسيح بكل طرق، فإن كان اليهود يهاجمون الكرازة بدعوى أن الرسول بولس يُهين الناموس ويستخفّ بالخِتان، ويقاوم أمة اليهود، فإن الأمم من جانبهم أيضًا يقاومون هذا العمل بإساءة فهمه، حاسبينه أنه ينادي بفعل السيئات لكي تأتي الخيرات
.ب. يودّ الرسول تأكيد أن الله الذي يتمجّد حتى في شرّنا بإعلان برّه وحبّه للخطاة لا يعفي الإنسان من مسئوليته عن ارتكابه للإثم. فقد اعتاد الإنسان منذ بدء سقوطه أن يلقي باللوم على غيره
ج. يُعلّق القدّيس إكليمنضس السكندري[94] على العبارات الرسولية التي بين أيدينا موضحًا أن الله يوقع العقوبة ليس عن انفعال، إنما لتحقيق العدالة، فيختار الأثيم لنفسه أن يسقط تحت العقوبة بكامل حريته، هو الملوم لا الله.
2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ
بدأ يؤكّد من جديد فساد البشريّة كلها ليُعلن حاجة الكل إلى طريق واحد للخلاص، هو التمتّع ببرّ المسيح خلال الإيمان بفدائه،
الآن إذ يُعلن فساد البشريّة كلها يلجأ إلى رجال العهد القديم ليقتطف كلماتهم التي تؤكد ذلك:
يلجأ إلى داود النبي القائل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله" (مز14: 2
بعد أن تحدّث عن فساد الكل بوجه عام بدأ يُعلن فساد الإنسان في كُلّيته، فتحوّلت الحنجرة إلى قبر مفتوح (مز 5: 9) تخرج رائحة موت ونتانة، وانشغل اللسان بالمكر
3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام
إن كان الذين بلا ناموس مكتوب قد سقطوا تحت الهلاك، والذين تحت الناموس قد صاروا تحت الدينونة، فكيف يمكن الخلاص؟ يقدّم لنا الرسول بولس العلاج معلنًا الحاجة إلى المخلص الذي يقدّم حياته فِدْية عن العالم كله، واهبا البرّ الإلهي لمؤمنيه. ويلاحظ في هذا العلاج الآتي:
أولاً:إن كان الإنسان قد فشل في نوال البرّ خلال الناموس الطبيعي أو الناموس المكتوب، إذ ظهر كاسرًا للناموس، فإن الله قدّم برّه لنا، باتحادنا مع الآب في ابنه البارّ الذي بلا خطيّة، نحمله في داخلنا، ويحملنا هو فيه، فنحسب به أبرارٌا
ثانيًا: بقوله: "ظهر برّ الله". وليس "قدّم برّ الله" يُعلن أن هذا البرّ الإلهي ليس جديدًا، إنما هو في ذهن الله يودّ أن يقدمه لنا، إنما في الوقت المعيّن،
ثالثًا: جاء الحكم: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" [24]، جاء حكمًا جامعًا وشاملاً لليهود وللأمم.
رابعًا: يبلغ الرسول إلى غاية حديثه، ألا وهو وإن جُرح اليهودي فاقدًا المجد الإلهي لأن الناموس صار فاضحًا لخطاياه عِوض أن يكون مبرّرًا له وممجّدًا، لكنه يتمتّع مع الكل بعمل المسيح الفدائي خلال الدم بخطة إلهية سبق فأعدّها لتظهر في ملء الأزمنة
خامسًا: بقوله: "ليكون بارًا، ويُبرّر من هو بالإيمان بيسوع المسيح" [26]، يُعلن أن برّه سهل المنال، يُمنح للجميع. لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم مشجعًا كل مؤمن ليتمتع ببرّ المسيح؛
سادسًا: ينتهز الرسول هذه الفرصة ليعود فيؤكّد أن برّ المسيح لا يتحقّق بأعمال الناموس بل بالإيمان
سابعًا: إن كان الرسول يؤكّد من وقت إلى آخر أنه لا خلاص بأعمال الناموس الحرفيّة كالخِتان والغسالات والتطهيرات، إنما "بناموس الإيمان" [27] لننعم ببرّ المسيح.
ثامنًا: إذ أوضح الرسول أن الخلاص يتحقّق خلال الإيمان بالمسيح يسوع دون أعمال الناموس الحرفيّة ليفتح الباب على مصراعيه لجميع الأمم،
تاسعًا: أوضح الرسول أنه إذ يُعلن فتح باب الخلاص للجميع لا يستخف بالناموس، وإن كان الناموس بأعماله الحرفية يعجز عن تحقيق الخلاص
صلوا من اجل ضعفى كثيرااااااااااا

RORO EMAD
07-05-2010, 02:30 AM
سبق فأعلن الرسول أن الأمم بلا عذر لأن الله وهبهم الناموس الطبيعي، فإذا بهم يكسرونه لا عن ضعف فحسب وإنما عن عمد وفي جسارة. فصاروا مقاومين للحق، عاملين ما هو ضد الطبيعة، مفسدين حتى أجسادهم، فرحين ومتهلّلين بالنفوس الساقطة معهم. الآن يبدأ يفنّد أيضًا حجج اليهود ليؤكّد أن البشريّة كلها خاطئة وتستحق عقاب الموتتركّزت حجج اليهود في ثلاثة أمور هي:

1. اتكالهم على بنوّتهم لإبراهيم أب الآباء.

2. اتكالهم على تسلمهم الشريعة أو الناموس الموسوي.
هكذا يخرج الرسول من حواره مع الفكر اليهودي إلى نتيجة هامة، أن البشريّة كلها موضع اهتمام الله وحبّه، حتى وإن اختلفت الوسائل التي قدّمها لهم، وإنها قد سقطت بكاملها عن "البرّ" لكي يجده الكل في المسيح،
3. اتكالهم على أنهم شعب الله المختار دون سواهم.

وقد فنّد الرسول هذه الحجج ليُعلن أن هذه الأمور جميعها لا تقدر أن تبرّر أحدًا، وإنما في المسيح يسوع يصير جميع المؤمنين، يهودًا ويونانيين، أبناء لإبراهيم لا حسب الجسد، وإنما خلال التمتّع بإيمانه العملي،
إبراهيم دعي في الغُرْلة
في الأصحاحات الثلاثة السابقة أظهر الرسول بولس فساد كل البشريّة، يستوي في ذلك اليهود كما الأمم، وصار الكل في حاجة إلى من يخلص ويبرر، والآن يقدّم الرسول مثلين لرجلين بارّين من رجال العهد القديم، أحدهما إبراهيم بكونه أب الآباء وقد تبرّر خلال إيمانه وهو بعد في الغُرْلة قبل ممارسة أعمال الناموس خاصة الخِتان. والثاني هو داود الذي نال الوعد أن من صُلبه يأتي المسيّا الملك، وهو من أهل الخِتان لكنه يقدّم التطويب لمن يتبرّر لا بأعمال الناموس بل بالإيمان.

ركّز الرسول بالأكثر على شخصية "إبراهيم" لأن اليهود كانوا يشعرون أنهم أحرار لمجرد انتسابهم له بالجسد. هذه العقيدة دفعتهم إلى العجرفة والكبرياء عِوض أن تدفعهم للحياة بفكر إبراهيم وإيمانه والامتثال به في سلوكه، فجاء الرسول يفنّد هذه العقيدة، مظهرًا أن سرّ قوّة إبراهيم تكمن في إيمانه الحيّ الذي عاشه وهو في الغُرْلة، كما عاش وهو في الخِتان، لذا فهو أب لأهل الغُرْلة كما لأهل الخِتان.

1. إبراهيم والإيمان
إذ كان الرسول يُعلن عجز أعمال الناموس عن تقديم برّ الله، ليفتح الباب للبشرية كلها فتنعم بهذا البرّ خلال الإيمان، انتقل إلى الحديث عن إبراهيم بكونه أول من نال عهد الخِتان ليوضّح أن إبراهيم أيضًا لم يتبرّر بالخِتان (أعمال الناموس) وإنما بالإيمان
أولاً: "فماذا نقول: أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد؟"[1]. كأن الرسول بولس يحدد العلاقة التي تربطهم بإبراهيم كأب إنما هي "حسب الجسد"، الأمر الذي يُضعف صلتهم به ماداموا لا ينعمون بأبوته خلال إيمانه
أن الرسول اختار إبراهيم لعدة أسباب رئيسية منها:

أ. أن اليهود كانوا يفخرون بنسبهم لإبراهيم كأب للمؤمنين،
ب. لم يُدعَ هابيل ولا نوح أبًا للمؤمنين، أمّا إبراهيم فقد جاء عنه: "لأني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم" (تك17: 4).

ج. لأن إبراهيم يعتبر حلقة الوصل بين أهل الغُرْلة وأهل الخِتان، عاش متبررًا بالإيمان وهو في الغُرْلة،
ثالثًا: لا ينكر الرسول بولس أن لإبراهيم أن يفتخر من جهة الأعمال، لكن ليس لدي الله، لأن ما مارسه من أعمال الناموس كالخِتان لا فضل له فيه إنما هو عطيّة الله له خلال العهد الذي أقامه الله معه
إن قورن إبراهيم بمعاصريه من البشر فله فخر بأعماله أمام البشر،
أمّا أمام الله ففخره الحقيقي أنه اغتصب برّ الله بإيمانه الحيّ العملي،
يُعلن الرسول بولس أن إبراهيم لم يتبرّر أمام الله خلال أعمال الناموس، كالخِتان والتطهيرات والغسالات، إنما تبرّر خلال الإيمان الحيُ
رابعًا: آمن أبونا إبراهيم وأيضًا مارس أعمال الناموس، إذ قبِل الخِتان في جسده كما خَتن ذكور بيته، لكن شتّان بين الإيمان وأعمال الناموس
أيهما أعظم: الأجرة التي ينالها الإنسان مقابل أعمال الناموس، أم النعمة التي ينالها مقابل الإيمان؟ بلا شك البرّ أعظم من الأجرة، لأن البرّ يعني عفو الله عن آثامنًا، ليهبنا برّه عاملاً فينا فننال مجدًا أبديًا. وقد اقتبس الرسول من المرتّل داود العبارة: "طوبى لمن غفرت آثامهم"
خامسًا: ما هو هذا الإيمان الذي يبرّرنا؟
ماذا يعني نؤمن به؟ الإيمان به يعني حبنا له، وتقديرنا لسموه، والذهاب إليه، والإتحاد بأعضائه.
الإيمان بالمسيح هو أن نؤمن به أنه يُبرّر الخاطي؛ نؤمن بالشفيع الذي بدون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؛
إيماننا نفسه بالمسيح هو عمل المسيح، إذ هو يعمل فينا، بالتأكيد ليس بدوننا. اسمع الآن وافهم: "من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا يعملها هو".
تتبرّر النفس بارتفاعها نحو الله، والتصاقها بذاك الذي يبرّرها... فإنها إذ تتركه تصير شريرة، وإذ تعود إليه تتبرّر.
سادسًا: يُحدّث الرسول اليهود الذين تشامخوا على الأمم بأعمال الناموس بطريقة حرفيّة قاتلة، فإن هذه لا تبرّر الإنسان، إنما لو حُفظت بطريقة روحية، تدفعهم لإدراك الخلاص والتبرير بالمسيّا
2. إبراهيم أب لجميع المؤمنين
إذ قارن الرسول بين أعمال الناموس والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليُعلن سموّ الإيمان، الذي به يتبرّر، دون تجاهل لأعمال الناموس التي مارسها إبراهيم وإن كانت عاجزة عن التبرير، الآن يؤكّد الربط بين الإيمان وأعمال الناموس في حياة هذا الأب دون تعارض،
يظهرًا أن اليهود لم يأتوا إلا كضيوف لاحقين لأهل الغُرْلة، وأنهم أضيفوا إليهم، أي جاءوا إلى بيت الإيمان مُضافين إلى إبراهيم الذي قبِل الإيمان وهو في الغُرْلة قبل الخِتان
قبل الناموس كان يمكن أن يدعى الإنسان خاطئًا ولم يكن ممكنًا أن يُدعي متعديًا. أمّا وقد أخطأ بعد استلامه الناموس فلم يعد خاطئا فحسب وإنما متعديًا أيضًا. وهكذا أضيف "التعدي" إلى "الخطيّة" فكثرت الخطيّة جدًا
3. إيمان إبراهيم وإيماننا
إن كان الإيمان قد فتح الباب على مصراعيه ليدخل كل الأمم إلى النسب لإبراهيم كأبناء له، فما هي مادة هذا الإيمان؟

مادة إيمانه هي أن الله "يحيي الموتى، ويدعوا الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة". من هم الموتى الذين يُحييهم؟ أو ما هي الأشياء الغير موجودة التي يدعوها كأنها موجودة؟

أولاً: مستودع سارة أو أحشاؤها أشبه بالميّت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبه الله اسحق حيًا خلال هذه الأحشاء الميّتة
ثانيًا: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة، ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إيّاه في فترة شيخوخته، وخلال مستودع سارة الذي كان في حكم الموت
وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه كان على خلاف رجاء البشر في رجاء من جهة الله آمن بالوعد ونال. فكان الإيمان هو سنده، لم يعطِه الله برهانًا، ولا علامة، إنما مجرّد كلمات وعد ومع هذا لم يتردّد، ولا شك مرتابًا مع أن العائق كان عظيما
أخيرًا، أكد الرسول بولس أن ما كُتب عن إبراهيم من جهة إيمانه بالقيامة من الأموات، إذ آمن بالله الذي يهبه إسحق من مستودع سارة المُمات، وآمن أن يقيمه أبًا على شعوب ليست من نسله حسب الجسد، كما آمن أن الله يهب البرّ كحياة لمن مات بالخطيّة. فإن هذا كله قد كُتب من أجلنا من جهة إيماننا بالمسيح الذي يقيمنا من الموت، ويهبنا برّه كحياة جديدة مقامة نمارسها عمليًا،
هنا يبرز النقاط التالية:

أ. غاية الحديث الإلهي عن إيمان إبراهيم هو إعلان طريق البرّ الحقيقي خلال الإيمان.
ب. إن كان إبراهيم قد نال وعدًا بخصوص نسله، يتحقّق هذا الوعد فينا بصلب السيد المسيح وقيامته الذي هو من نسل إبراهيم حسب الجسد. إبراهيم آمن بنيل بركة مستقبلة خلال نسله،
ج. إذ يحدّثنا الرسول بولس عن إيمان إبراهيم، يقدّم لنا ملخصًا لإيماننا، غالبًا ما كان نصًا كنسيًا تسلّمه الرسل وسلّموه، صلوا من اجلى

REHAM
07-06-2010, 03:08 AM
إذ يعالج الرسول بولس موضوع انتساب اليهود لأبينا إبراهيم حسب الجسد أبرز أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة كما وهو في الخِتان خلال إيمانه، ليحمل أبوة صادقة روحية لكل مؤمنٍ حقيقيٍ. والآن يودّ الرسول بطريقة غير جارحة أن يظهر رجل الإيمان الأعظم إبراهيم، أنه ابن آدم، أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت مملكة الموت بسبب عصيان آدم، فكان محتاجًا إلى من يبرّره. بمعنى آخر خلال الظلام والرموز تبرّر إبراهيم نفسه ببرّ المسيح، إذ بدون إيمان لم يكن ممكنًا أن يتبرّر، وكما قال القدّيس جيروم: [قبل مجيء المسيح كان إبراهيم في المواضع السفلية بينما بعد مجيئه صار اللص في الفردوس

كعادة الرسول بولس قبل أن يبرز الجانب السلبي وهو خضوع آدم وبنيه تحت
حكم الموت بسبب العصيان، بما فيهم رجل الإيمان إبراهيم، أبرز في إيجابيّة ثمار برّ المسيح التي يتمتّع بها كل أبناء إبراهيم الروحيين، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أ. التمتّع بالسلام مع الله[1].
ب. نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي[2].
ج. ارتفاع فوق الضيقات[3-4].
د. عطيّة الروح القدس واهب الحب[5].
ه. اختبار محبّة الله بالصليب[6-11].

أولاً: التمتّع بالسلام مع الله
"السلام مع الله" يعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة التي كنّا فيها إلى حالة بنوّة وحب وصداقة. أو تعني انطلاقنا من حالة الانحدار التي بلغناها بسبب خطايانا وعصياننا، لندخل خلال الدم إلى حالة مصالحة مع الآب، فنُحسب بالمسيح يسوع الابن الوحيد أبناء له، موضع سروره ورضاه.

ثانيًا: نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي
لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى "برّ المسيح"، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك "بالنعمة الإلهية" متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على "رجاء مجد الله

".
قال: "التي نحن فيها مقيمون" [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر... لهذا يقول: "نبتهج على رجاء مجد الله"

ثالثًا: الارتفاع فوق الضيقات
ربّما يتساءل البعض: إن كان الإيمان بالمسيح يدخل بنا إليه لنحمل برّه فينا فننعم بالسلام مع الله، وإذ نقيم في هذه النعمة ينفتح قلبنا على رجاء المجد الإلهي، فما هو عمل هذا البرّ في حياتنا وسط الضيقات التي لا تنقطع؟

يجيب الرسول على هذا التساؤل معلنًا أن السيد المسيح ببرّهالذي يهبه لنا لا ينزع عنّا الضيقات، بل يرفعنا فوق الضيقات، فنجتازها أو تعبر هي بنا، ونحن في اعتزاز نراها سرّ تزكيتنا أكثر فأكثر، فلا يتحطم رجاؤها باليأس، بل بالعكس يلتهب رجاؤنا في المجد، خلاص صبرنا في الضيقاتوكما يقول معلمنا يعقوب: "طوبى
للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة" (يع 1: 12).

والصبر تزكية، والتزكية رجاء". فالضيقات التي هي (بالطبيعة) بعيدة عن الرجاء تصير تزكية للرجاء ومؤكدة له. فإنه قبل نوال الأمور المقبلة ينشئ الضيق ثمرًا عظيمًا جدًا هو "الصبر"، فيجعل من الإنسان المُجرٌب صاحب خبرة؛ وفي نفس الوقت يساهم إلى درجة ما في الأمور المقبلة، إذ يهب رجاءً ملتهبًا فينا
"الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب12: 2-3

رابعًا: عطيّة الروح واهب الحب
إن كان السيد المسيح يُعلن برّه فينا برفعنا داخليًا فوق الآلام وجعلها مصدر مجد حتى في هذا الزمان الحاضر، لنحتمل الضيقات بصبر المسيح على رجاء المجد الأبدي، فإنه من جانب آخر يهبنا بروحه القدوس "محبة الله" منسكبة في قلوبنا لكي تسندنا فلا يخزى رجاؤنا. بمعنى آخر صبرنا في التجارب واحتمالنا للألم لا يقف عند قوّة عزيمتنا أو إمكانيّاتنا البشريّة، إنما على عمل الله فينا، إذ يسكب حُبّه بفيض على المجاهدين روحيًا لأجل اسمه وبقوّة نعمته.

خامسًا: اختيار محبة الله بالصليب
هذا هو ما يعلنه الروح القدس فينا: محبّة الله الفائقة لمصالحتنا خلال الصليب؛ ويلاحظ في هذا الإعلان الآتي:
أ. يسمى الرسول هذا الإعلان "سكب محبّة الله في قلوبنا". يوجد فارق بين المعرفة الفكرية للصليب التي يمكن أن نتمتّع بها خلال دراسة الكتاب المقدس، خاصة خلال شهادة الناموس والنبوّات التي مهدت أفكارنا لإدراك سرّ الفداء، أو سرّ محبّة الله بالصليب، وبين معرفة الخبرة التي يهبها الروح لأعماقنا في الداخل، حيث ينطلق بالنفس إلى الصليب لتلتقي بعريسها المصلوب، وتدرك حُبّه لها شخصيًا، فتلتهب بنيران المحبّة الحقيقية، وتشتهي أن ترد الحب بالحب.

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أننا ليس فقط ننعم ببركات الخلاص هنا ونترجى الأمجاد الأبدية إنما يصير الله نفسه مجدنا وفخرنا وفرحنا. تعامل معنا كصديق مع أصدقائه، وحبيب مع محبوبيه،بمعنى آخر نلنا المصالحة لا لننعم بشيء إنما ما هو أعظم أننا صرنا أحباء الله، ليس فقط نقف بجوار مجده كالقوات السمائية المُحبة له، إنما نحمله ساكنًا فينا جالسًا علي العرش!

دبت بذار الموت مع الخطية منذ آدم، لكن الموت لم يكن ثمرة عصيان للناموس بل ثمرة عصيان أبينا آدم.ملك الموت علي الذين لم يخطئوا بعصيان الناموس إنما خلال شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي[14].
في آدم سقطت أنا، وفيه طُردت من الفردوس، وفيه مت، فكيف يردني الرب إلا بأن يجدني في آدم مذنباً، إذ كنت هكذا، أما الآن ففي المسيح أتبرر أنا.القديس أمبروسيوس

ماذا يقصد بعبارة "آدم الذي هو مثال الآتي" [14]؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كما بواحدٍ صار الحكم علي الكل بواحدٍ أيضًا صار البرّ لكل المؤمنين. كما سقط الكل تحت الموت مع أنهم لم يأكلوا مع آدم من الشجرة، هكذا قُدم الخلاص للعالم دون فضل من جانبهم، إنما يرجع الفضل لبرّ المسيح الذي يهبه خلال شجرة الصليب.
يؤكد القديس الذهبي الفم أنه لا يفهم من هذا أن الخطية والنعمة متساويان، ولا الموت والحياة عديلان، لأن الشيطان والله ليسا متساويين.


ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة،
لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون،
فبالأولي كثيرًا نعمة الله،
والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح
قد ازدادت للكثيرين" [15].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما يقوله هو هكذا: إن كان للخطية آثارها البعيدة المدى هكذا وهي خطية إنسان واحد، فكم بالأولى تكون النعمة، نعمة الله، التي هي نعمة الآب والابن أيضًا يكون لها فيض؟… ربما معاقبة إنسان من أجل خطأ ارتكبه آخر يبدو غير مقبول، لكن ما هو أكثر قبولاً ومنطقيًا أن يخلص إنسان بسبب آخر

"وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية،
لأن الحكم من واحد للدينونة،
وأما الهبة فمن جري خطايا للتبرير" [16].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[للخطية قوتها إذ تجلب الموت والدينونة، وأما النعمة فلا تبرر خطية واحدة فحسب إنما الخطايا التي تبعتها أيضًا. ولئلا يُفهم من الكلمتين "كما"، "هكذا" تساوى البركات مع الشرور، ولئلا عند سماعك "آدم" تظن أن الخطية التي ارتكبها آدم هي وحدها التي تُغفر، لذلك يقول: من جري خطايا كثيرة للتبرير… فقد تحقق التبرير بعد ارتكاب خطايا بلا حصر بعد الخطية التي أُرتكبت في الفردوس.

ربما يتساءل البعض: كيف كثرت الخطية بالناموس؟ لأنه قدم وصايا كثيرة بلا حصر وقد عُصيت، فازداد العصيان.

يقول القديس اوغسطينوس جاء الناموس لكي تكثر المعصية، لأن المنع جعل الشهوة تزداد، وصيرها عنيفة (رو 7: 7).
كشف الناموس أيضا أصل الموت والحياة، إذ أظهر أن الخطية تسلحت بالموت لتبيد البرّ، لكن النعمة حطمت سلاح الموت، ووهبتنا البرّ علي مستوي الحياة الأبدية الخالدة.
إذن لا عجب إن كان ضعف الإنسان يجعل من الناموس الصالح ما يزيد من الشر، مع أنه قد عهد إليه به لينفذ الناموس

صلوا من اجلى

REHAM
07-07-2010, 02:52 AM
فماذا نقول؟ أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا!
نحن الذين مُتنا عن الخطيّة، كيف نعيش بعد فيها؟
أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟
فدفنا معه بالمعموديّة للموت،
حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب،
هكذا نسلك نحن أيضًا بجدة الحياة" [1-4
كان الله بكثرة رحمته أفاض بنعمته علينا لينزع عنّا كل أثر للخطية، فتمجّد فينا نحن الخطاة، هذا لا يدفعنا للاستهتار بالخطيّة أو التهاون في الجهاد ضدّها، إنما يليق بنا أن نتركها سالكين كما يليق بنا كأولاد لله، نلنا بنعمته البنوّة له. هكذا يضع الرسول بولس "المعموديّة" أمامنا لندرك مركزنا الجديد خلال النعمة فنحيا في جدة الحياة كأولاد لله.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن المعموديّة قد أماتت الخطيّة فينا، ولكي تظلّ الخطيّة ميّتة يليق بنا أن نجاهد بلا انقطاع، فلا نُطيع الخطيّة بالمرّة، بل نقف أمامها جامدين كالموتى.
ماذا يعني"اعتمدنا لموته"؟ يقصد موتنا نحن كما مات هو. فالمعموديّة هي الصليب، وما كان الصليب والدفن بالنسبة للمسيح تكون المعموديّة بالنسبة لنا، ولو أن التطابق ليس تمامًا. لأنه هو مات ودُفن بالجسد، أمّا نحن فنمارس الاثنين (الموت والدفن) بالنسبة للخطية.


القدّيس أمبروسيوس
v لندفن مع المسيح بالمعموديّة لنقوم معه!
لننزل معه لكي نرتفع أيضًا معه!
لنصعد معه، فنتمجّد أيضًا معه!

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ يلمح هنا عن التزامنا بالسلوك المدقق يُشير إلى موضوع القيامة... فإنه يقصد بكلماته هكذا: أتؤمن أن المسيح مات وقام؟ آمن بهذا من جهة نفسك، فالقيامة كالصلب والدفن هي خاصة بك. إن كنت تشترك في الموت والدفن فبالأولي أن تشترك في القيامة والحياة. إن كانت الخطيّة، الأمر الأصعب، قد أُزيلت فبلا شك يُنزع الموت الأمر الأقل (فتنال القيامة) الآن. إذ يقدّم لنا القيامة فإنه يسألنا أمرًا آخر هو تغيير (تجديد) عاداتنا هنا (بكونها قيامة عاملة فينا). فعندما يصير الزاني عفيفًا والطماع رحيمًا والعنيف مطيعًا، بهذا تكون القيامة عاملة هنا كعربون للقيامة الأخرى. كيف يُحسب هذا قيامة؟ لأن الخطيّة تموت والبرّ يقوم، الإنسان القديم ينتهي، والجديد الملائكي يعيش

يقول القدّيس الذهبي الفم:
[يتحدّث الرسول عن نوعين من الإماتة والموت، الأولي هي عمل المسيح (فينا) في المعموديّة، والثاني نمارسه بشغف بعد المعموديّة؛ فدفن خطايانا السابقة هو هبة منه، لكن أن نبقى أمواتًا عن الخطيّة بعد المعموديّة، فيلزم أن يكون موضع شغفنا لنجد الله نفسه معينًا لنا. فإن سلطان المعموديّة لا يقف عند محو معاصينا السالفة، إنما تهبنا أمانًا من جهة المعاصي اللاحقة

عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه، ليبطل جسد الخطيّة، كي لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية، لأن الذي مات قد تبرّأ من الخطيّة، فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [6-8].


جسد الخطيّة": الذي يبطل هو شرور الإنسان وآثامه التي عاشت فيه فمات روحيًا. بالمعموديّة يموت الإنسان القديم بهذا الجسد، أي "الآثام"، ليُمارس قوّة القيامة كحياة جديدة، بفكرٍ جديدٍ وتسبحةٍ جديدة.

وكما يقول العلامة ترتليان في مقاله عن "قيامة الجسد": [الجسد ليس مضادًا للخلاص بل أعمال الجسد (المنحرفة). عندما تُنزع عنه هذه الأعمال المسببة للموت يظهر الجسد في آمان ويتحرّر من كل علّة الموت. ويكمل حديثه بإفاضةمؤكدًا أن الذي يصلب مع المسيح ليس هيكل الجسد ولا كيانه الذاتي، إنما سلوكه الأخلاقي (أو الطبيعة الفاسدة) وأحاسيس الخطيّة التي طرأت عليه، مدلّلا على ذلك بأن الرسول لم يقل: "كي لا نعود نستعبد أيضًا للجسد" بل قال: "للخطية" [6]. وأيضًا لم يقل: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الجسد" وإنما قال: "عن الخطيّة" [11].


إن كنّا نقبل أن نبقي في حالة "موت عن الخطيّة" فما هي المكافأة؟ "فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [8]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه إذ يطلب الرسول منّا أن نقوم بهذا الدور البطولي أن نموت عن الخطيّة، فنصير بالنسبة لها كمن هو مُلقي جامدًا بلا حراك، فلا نشوّه عطيّة الله التي وُهبت لنا في المعموديّة يقدّم لنا الأكاليل: "الحياة مع المسيح"، قائلاً "سنحيا أيضًا معه

عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد، لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله، كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" [9-11].


لئلاّ يستثقل المؤمن هذا الطريق: "الموت مع المسيح"، خاصة وأنه يطالبنا به كل أيام غربتنا بعد تمتّعنا بالدفن معه في المعموديّة، أوضح الرسول جانبين: الأول أن هذا الموت هو "مع المسيح"، يرافقنا الطريق بكونه الحياة والقيامة، فلا يستطيع الموت أن يحطمنا، والثاني أن المسيح مات مرة واحدة عن خطايانا وقام، فلا يعود يموت ثانية، هكذا يهبنا قوّة القيامة والغلبة على الخطيّة. بهذا لا يكون موتنا عن الخطيّة حرمانًا أو خسارة، بل ممارسة لقوّة الغلبة والنصرة التي لنا بالمسيح غالب الخطيّة والموت.
لقد مات المسيح مرة واحدة بلا تكرار، لأنه لم يمت عن ضعف بل عن قوّة الحب الباذل، لكي إذ لا يموت مرة أخرى يهبنا أن نشترك معه في موته وأن نشاركه قيامته التي لا يغلبها الموت

كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذن لا تملكنّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدّموا أعضائكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات، وأعضاءكم آلات برّ لله، فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [11-14

إن كان المسيح قد مات "للخطية" كي لا يكون لها سلطان علينا، فإنه لا يليق بنا إلا أن نسلِّم القلب عرشًا له، بعد أن ملَكت عليه الخطيّة زمانًا. لنمت عن الخطيّة، فلا تملك علينا بعد. ولنحيا لله بالمسيح يسوع ربنا الذي يملك فينا، ويقيم مملكته داخل قلوبنا، مقدّمين كل أعضاء جسدنا وطاقاتنا وعواطفنا لحساب ملكوته، كآلات برّ لله بعد أن كانت خاضعة للشهوات كآلات إثم للخطية.
والعجيب قبل أن يطالبنا بتقديم أعضاءنا آلات برّ لله يطالبنا بتقديم "ذواتنا لله كأحياء من الأموات"، بمعنى أنه لن تتقدّس أعضاؤنا الجسديّة ما لم يتقدّس كياننا ككل، ونقبل القيامة عاملة في نفوسنا كما في فكرنا وجسدنا الخ...

"أطعتم من القلب" يُشير إلى أن الحرّية التي نمارسها لا تتحقق عن اضطرار، إنما تُمارس خلال الحب "من القلب" بكمال إرادتنا.

لا يقل المسيحي أنني حرّ، أفعل ما يحلو لي، ليس لأحد أن يكبح إرادتي مادمت حرًا. إن كنت بهذه الحرّية ترتكب خطيّة فأنت عبد للخطية.


يقارن الرسول بين العبوديّة للإثم والعبوديّة للبرّ، فيرى الأولي قاسية ومخزية، إذ يقول "تستحون منها" [21] ونهايتها الموت [21]، أمّا الثانية فعلى العكس تهب تقديسًا ونهايتها حياة أبدية [21]. فإن كانت الأولي تثمر عارًا وموتًا، فالثانية تثمر قداسة وحياة أبدية.



إذ يتحدّث الرسول بولس هنا عن "الحياة الأبدية"[24] كعطيّة مجّانية للنعمة، يتساءل القدّيس أغسطينوس: كيف يمكن أن تكون "الحياة الأبدية" جزاءً لأعمال صالحة (مت 16: 27) وفي نفس الوقت عطيّة مجّانية للنعمة؟



يبدو لي أن هذا السؤال لا يمكن حلّه مطلقًا ما لم نفهم أنه حتى الأعمال الصالحة التي نجازى عنها بالحياة الأبدية هي من عمل نعمة الله، لأنه عن ماذا قال الرب يسوع: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"؟ (يو 15: 5)



علي أي الأحوال تُعطى الحياة الأبدية هكذا، كجزاء لأعمال صالحة، لأن الله يعمل أعمالاً صالحة في أناس صالحين، قيل عنهم: "الله هو العامل فيكم أن ترّيدوا وأن تعملوا من أجل مسرّته

صلوا من اجل ضعفى

REHAM
07-08-2010, 05:23 AM
أم تجهلون أيها الإخوة، لأني أكلم العارفين بالناموس،
أن الناموس يسود على الإنسان ما دام حيًا.
فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحيّ،
ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل،
فإذا مادام الرجل حيًا تدعي زانية أن صارت لرجلٍ آخر،
ولكن إن مات الرجل فهي حرة من الناموس،
حتى أنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر.
إذًا يا إخوتي أنتم أيضًا قد متم للناموس بجسد المسيح،
لكي تصيروا لآخر للذي قد أقيم من الأموات لنثمر لله"[1-4

كان الرسول بولس يعالج موضوع افتخار اليهود على الأمم بكونهم مستلمي الناموس، أراد وهو يحطّم كبرياءهم هذا ألاّ يهاجم الناموس ذاته، لأنه ناموس الله المقدس، إنما يهاجم مستخدميه. وهو يقدّم مثل المرأة المرتبطة برجل كمثال للأمة اليهوديّة المرتبطة بالناموس، يقول: "لأني أكلم العارفين بالناموس" [1]... يُعلن الرسول أنه يقبل حكم الناموس ذاته في هذا الأمر، أو يلتجئ إلى حكم الناموس لأنه عادل ومقدس.




في مثل المرأة المرتبطة برجل اكتفى بذكر موت الرجل لتُحرّر المرأة من سلطانه، فلا تُحسب زانية إن تزوجت آخر. فالمرأة هنا تُشير إلى الكنيسة، سواء على مستوى الجماعة أو كل عضو فيها. فالمؤمن لا يقدر أن يرتبط بحرف الناموس وأعماله الرمّزية مع أعمال النعمة الإلهية، وإلا حُسب كامرأة اقترنت بعريسين.



هذا ويلاحظ دقّة تعبير الرسول بولس، فإذ يتحدّث عن اقتران الإنسان بالناموس لم يتعرض لموت الناموس نفسه كي يتحرّر الإنسان منه، بل في دقّة بالغة يقول: "قُدِّ متم للناموس"... وكأن الذي يموت هو الإنسان للناموس ليحيا للمسيح.
وقد تحقّق هذا الموت للناموس والتحرّر منه خلال موت المسيح عنّا، إيفاءً للحكم الصادر ناموسيًا ضدّنا! بهذا لم يكسر المسيح الناموس بل أكمله، وحقّق غايته، بدخوله كعريسٍ للجماعة المقدّسة خلال موته بالصليب، لتعيش معه عروسًا متّحدة معه أبديًا بلا انفصال عنه.

يقارن الرسول بين الثمرين: ثمر الاتحاد بالرجل الأول المعلن حكمه علينا بسبب شر طبيعتنا وثمر الاتحاد بالثاني الذي يحررنا من الحكم الناموسي، مقدمًا لنا إمكانيات جديدة: "لنثمر لله، لأنه لما كنّا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نُثمر للموت، وأمّا الآن فقد تحرّرنا من الناموس

إذ مات الذي كنّا ممسكين فيه، حتى نعبد بجدّة الروح لا بعُتق الحرف" [4-6

يقول "لما كنّا في الجسد"، أي كنّا في الأفعال الشرّيرة، في الحياة الجسدانيّة
ما يقوله لا يعني أنهم كانوا قبلاً في الجسد وأنهم الآن بدون أجسام، إنما يقصد بقوله هذا أنه ليس الناموس هو سبب الخطايا، وفي نفس الوقت لا يحرّر من خزيها، إذ قام بدور المتّهم القاسي بفضح خطاياهم،"كانت أهواء الخطايا التي بالناموس (خلاله)"... بمعنى أنه خلال الناموس صارت ظاهرة ومعلنة.
هكذا وإن أعلن الرسول بولس الحاجة إلى التحرّر من الناموس، الرجل الأول، لكنه لا يُلقي باللوم على الناموس ولا أعضاء الجسم، إنما العيب هو في النفس التي تقود الأهواء فينا أكثر ممّا للجسد..وإن كان الأخير ملتزم بالمسئولية مع النفس لكنه ليس المسئول الأول.

إذ مات الذي كنّا مُمسكين فيه". كأنه يقول بأن القيد الذي كنّا ممسكين به قد انكسر وتبدّد (مات)، حتى أن الخطيّة التي كنّا ممسكين بها لا تعود تمسك بنا. لكن لا ترجعوا إلى الوراء أو تهملوا، فقد تحرّرتم لتصيروا عبيدًا لكن ليس بذات الطريقة السابقة وإنما "بجدّة الروح، لا بعُتق الحرف".
"حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" [6]، فإنه لم يعد الحرف الذي يدين، أي الناموس القديم، وإنما الروح الذي يعين

خشي الرسول بولس لئلا يسيء القاريء فهم عبارته: "وأما الآن فقد تحرّرنا من الناموس" [6]، لئلاّ يُظن أن الرسول يهاجم الناموس أو يقلّل من قدسيّته، لذلك قدّم سؤالاً: فماذا نقول؟ "هل الناموس خطيّة؟" [7]، وجاءت الإجابة واضحة وصريحة: "حاشا"...
إذن، فلماذا يفرح بتحريره من الناموس؟

: لأن الناموس يفضح الخطيّة ولا يعالجها. عرّفني على الخطيّة التي ارتكبها، وربّما لم أكن أدركها [7]. بل لم أعرف الخطيّة إلا بالناموس"... "فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته"[7].

ثانيًا: لأن الناموس إذ قدّم لي الوصيّة كشف عن طبيعة العصيان التي فيّ [8-11]، فربّما لو لم توجد وصية معيّنة تمنعني من شيء لا أهتم بعمله، إنما وجود الوصيّة يثير فيّ طبيعتي (كل شيء ممنوع مرغوب). هنا العيب لا في الوصيّة التي أثارتني، وإنما في طبيعة العصيان الخفيّة في داخلي والتي لم يكن لها أن تظهر ما لم توجد وصية.


أمّا أنا فكنت بدون ناموس عائشًا قبلاً" [9]إذ لم تكن هناك معرفة دقيقة ومحدّدة، ولا اتهام صريح ضدي يحكم عليّ بالموت. فبقوله "كنت عاشًا قبلاً" تعني أنني لم أكن تحت إدانة الناموس الدقيقة والصارمة التي تستوجب موتي.


فوُجدت الوصيّة التي للحياة هي نفسها لي للموت"[10].
لم يقل "جاءت الوصيّة للموت" أو "صارت للموت" بل قال: "فوُجدت"... كأنه يقول إن أردت أن تعرف غايتها فهي تقود إلى الحياة وأعُطيت بهذه الغاية. فإن وُجدت للموت، إنما الخطأ فيمن استلم الوصيّة، وليس في الوصيّة التي تقود للحياة.



"فهل صار لي الصالح موتًا؟ حاشا! بل الخطيّة، لكي تظهر خطيّة، منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطيّة خاطئة جدًا بالوصيّة" [13]. هكذا حوّل الرسول الاتهام من الناموس الصالح إلى الخطيّة الخاطئة جدًا، أو بمعني آخر ركّز أنظارنا على أنفسنا في الداخل. فبشرنا يتحوّل حتى ما هو صالح إلى ضررنا.



وأما أنا فجسدي، مبيع تحت الخطيّة". لقد تقبّلت الشهوات الجسديّة واستُعبدت للخطية، صرت غارقًا في أعماقها، ساقطًا تحت ناموسها، فحُسبت جسديًا.

والآن ماذا فعل ناموس الخطيّة فيَّ؟
أولاً: شوّه معرفتي،إذ يقول الرسول: "لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإيّاه أفعل" [15].
ماذا يقصد الرسول بهذا؟
أ. أفقدت الخطيّة نقاوة البصيرة الداخليّة، فصارت معرفتنا للخطية غير دقيقة، لذا يقول "لست أعرف ما أنا أفعله"... لا بمعنى أن الإنسان يجهل الخطيّة، وإلا لما دين عنها، وإنما قبل الناموس لم يكن قادرًا على معرفتها بدقةٍ

ثانيًا: أفقدتني الإرادة الصالحة العاملة، إذ لم يقف الأمر عند تشويه المعرفة،وإنما أيضًا تسيطر على إرادتي، فتفسد إمكانية العمل الصالح في حياتي


الخطيّة مخادعة تجتذبه وتجعله يلتزم بممارستها، وإن كان في نفس الوقت يبغضها بحسب الناموس الطبيعي العامل فيه كما بحسب الناموس المكتوب. لهذا يكمل قائلاً: "فإن كنت أفعل ما لست أريده، فإني أصادق الناموس أنه حسن" [16]. كأنه يقول إن كنت بالناموس الطبيعي أكره الخطيّة التي أمارسها فإن الناموس المكتوب أو الموسوي يصادق على الناموس الطبيعي الذي يبغض الخطيّة لذا فالناموس حسن.

ثالثًا: أفسد جسدي:لم يقف عمل ناموس الخطية عند تشويه المعرفة الروحية وتحطيم قوة الإرادة الصالحة، وإنما بسكنى الخطية في داخلي صار ناموسها عامًلا في أعضائي، فصارت آلات إثم تعمل لحسابه

يشكو الرسول حاله، قائًلا: "فالآن، لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فّي، فإني أعلم أنه ليس ساكن فّي، أي في جسدي، شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد" [17-18
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول أن جسده هو الذي يفعل هذا بل "الخطية الساكنة فّي"، لأن الله خلق الجسد صالحًا، ليس شرًا في ذاته، لكن إذ دخلت الخطية لم يعد يسكن فيه شيء صالح.] لذلك إذ جاء السيد المسيح حملني معه ليصلب الخطية التي سكنت فّي، ويسكن هو في داخلي

إذًا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله،
ولكن بالجسد ناموس الخطية" [22-25
ماذا يعني أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية؟ بالنعمة الإلهية التي صارت لي في المسيح يسوع تقدست حياتي، وإن كانت الخطية لا تكف عن محاربتي مادمت بعد في الجسد... هذا هو مفهوم النصرة بالنعمة الإلهية، النصرة المرتبطة بجهاد لا ينقطع مادمنا في الجسد. لكنه جهاد بالرب الساكن فينا

صلوا من اجلى

REHAM
07-09-2010, 05:37 AM
أبرز الرسول في الأصحاح السابق دور الناموس كفاضحٍ للخطية دون معالجة لها، ثم قدّم لنا صورة قاتمة للغاية من جهة ناموس الخطيّة كمفسدٍ لحياتنا كلها، ومثير لشهوات الجسد ضد كل اشتياقٍ روحيٍ. والآن إذ ينتقل بنا إلى السيد المسيح الغالب وحده لهذا الناموس، يشرق علينا بالإمكانيات الإلهية التي تعمل في حياة المؤمن. لهذا إن كان بعض الدارسين يحسبون هذه الرسالة في كُلّيتها هي "كاتدرائية الإيمان المسيحي"، فيرى البعض في هذا الأصحاح "قُدس الأقداس" أو المذبح الروحي، عليه يقدّم المؤمن الحقيقي ذبيحة الحب والفرح والشكر وسط صراعه ضد الشرّ وضيقاته الزمنيّة
.
يميز القدّيس يوحنا الذهبي الفم بين ثلاثة أنواع من النواميس: ناموس موسى، وهو روحي لكنه لا يهب الروح ولا يبرر؛ وناموس الخطية العامل في جسدنا وهو يدخل بنا إلى الموت الأبدي؛ وناموس المسيح أو ناموس الروح وهو يهب الروح ويقدم لنا الحياة الأبدية ببرّ المسيح، وبه لا نسلك فيتراخٍ حسب الجسد، بل في قوة الروح.



لقد وصف ناموس موسى بأنه روحي (7: 14) فما هو الفرق بينهما؟ الفرق عظيم وبلا حدود، فإن ذاك روحي، أمّا هذا فناموس الروح. ما هو التمييز بينهما؟ الأول مجرّد أُعطي بواسطة الروح، أمّا هذا فيهب الذين يتقبّلونه الروح بغير حدود. لذلك دعاه "ناموس الحياة" مقابل ناموس الخطيّة لا ناموس موسى. فعندما يقول أنه أعتقني من ناموس الخطيّة والموت لا يقصد ناموس موسى...

لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة، ولأجل الخطيّة دان الخطيّة في الجسد" [3].
يرى القدّيس يوحنا ذهبي الفم أن الرسول لم يستخف بالناموس بقوله "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه"، فإنه لم يقل أن الناموس شرّ، وإنما وهو متفق مع السيد المسيح يودّ صلاحنا، لكنه يعجز عن التحقيق. هذا العجز لا يقوم على عيبٍ فيه، وإنما على فسادنا نحن الذين صرنا جسدانيّين، إذ يقول: "كان ضعيفًا بالجسد.0 يرىالقدّيس جيروم أن سرّ العجز في الناموس هو عدم قدرتنا على تنفيذه، إذ يقول: [فقد عجز الناموس، لأنه لم يستطع أحد أن يتمّمه سوى الرب القائل: "ما جئت لأنقض (الناموس) بل لأكمل" (مت5: 17)



يقول الرسول: "أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة"، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم ليس لأنه لم يأخذ جسدًا مثلنا، وإنما لأنه أخذ جسدنا بدون الخطيّة.

لكي يتم برّ الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [4].ماذا يعني أن يتحقّق برّ الناموس فينا؟ يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" هنا لا يعني مجرّد عدم وجود خطيّة، وإنما [البر بالنسبة لنا هو التمتّع بالنصر، وأن البرّ لا يعني مجرّد الامتناع عن الخطيّة، وإنما التزيّن بالصلاح أيضًا، فلا يقف عند السلبيات، إنما يجب ممارسة الإيجابيات.



الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون،
ولكن الذين حسب الروح فيما للروح،
لأن اهتمام الجسد هو موت،
ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام0000(9:5
لا يقارن الرسول هنا بين جوهر الجسد أي الجسم بأعضائه وبين الروح، وإنما بين اهتمام الجسد واهتمام الروح0خلال هذه النظرة يمكننا أن نعرف اهتمام الجسد، بمعنى ترك الإنسان الجسد على هواه ليتعدّى حدوده، فتخضع حتى النفس لتحقيق هوى الجسد، أمّا اهتمام الروح فيعني خضوع الإنسان لروح الله، فيسلك كإنسان روحي، يحقّق هوى الروح. الأول يثمر موتًا للنفس والجسد على مستوى أبدي، والثاني يهب حياة وسلاما أبديًا [6].

يفسّر القدّيس يوحنا ذهبي الفم العبارة: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" [8]، قائلاً: هل نقطع جسدنا إربًا حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشريّة؟ هذا التفسير الحرفي غير لائق، فهو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جوهره، إنما يعني الحياة الحيوانيّة العالميّة المستهترة التي تجعل الإنسان جسدانيًا، حتى النفس تصير جسدانية، فتتغيّر طبيعتها ويتشوّه نبلها.

وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات، سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11]. إ
كان ناموس الخطيّة قانونه الموت الأبدي، فإن ناموس الروح الذي يهبه لنا المسيح قانونه القيامة من الأموات، على مستوى أبدي. ليتك إذن لا تسمح لجسدك (الحياة الجسدانيّة) أن يعيش في هذا العالم، لكي يعيش جسدك هناك.

لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله0
يكشف لنا الرسول عن عمل هذا الروح الإلهي فينا، لا بتقديم إمكانيات إلهية إلينا فحسب، وإنما بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فيعتقنا من العبوديّة لنحتل مركز البنوّة الفائق الذي به نصرخ نحو الآب قائلين: "يا أبّا الآب"، نُحسب بالحق أولاد الله، لنا حق الميراث مع المسيح. لم يقل "لأن كثيرين يعيشون بروح الله"، إنما يقول "لأن كثيرون ينقادون بروح الله"، مظهرًا أنه يستخدم سلطانًا على حياتهم (يقتادهم) كربانٍ يقود سفينة،فهو لا يقود الجسد فقط وإنما النفس أيضًا، يملك عليهما...



فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]...
يقل "المجد الذي سيكون لنا" وإنما "يُستعلن فينا"، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد...هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3)... هذه الآلام أيًا كانت مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود0

إذ يعلن الرسول أن الروح لا ينزع عن المؤمن الآلام والضيقات إنما يهبه مجدًا خفيًا في الداخل وسط الآلام الخارجية، يُستعلن هذا المجد في يوم الرب العظيم، ينتقل من حياة المؤمن الداخلية إلي الخليقة عينها، قائلالأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله" [19].

ما معنى أن الخليقة أخضعت للباطل [20]؟
لماذا صارت فاسدة؟ وما هو السبب؟ بسببك أنت أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسدًا ميتًا قابلا للآلام تقبلت الأرض لعنة وأنبتت شوكا وحسكًا. هانت ترى باى معنى سقطت الخليقة في عبودية الباطل، وكيف تتحرر من حالة الفساد؟...
لقد حاصرها الشر لأجلك وصار مفسدًا، مع أن (الخليقة) لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضًا سيحدث عدم الفساد. هذا هو معنى "علي الرجاء" [20].
عندما يقول أنها أخضعت "ليس طوعًا" لا ليظهر أن ما قد حدث لها وإنما لكي نتعلم عناية المسيح للكل، فإن إصلاح الخليقة لا يكون من ذاتها
الآن، ما هو رجاء الخليقة؟
"لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله"قول "ستعتق من عبودية الفساد"، بمعنى أنها لا تعود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنبًا إلي جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك
فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" [22]. هذا هو حال الخليقة التي أُوجدت من أجلنا فكم بالحري يليق بنا أن نئن نحن أيضا ونتمخض بالآلام من أجل تمتعنا بكمال مجد البنوة لله ؟
لأننا بالرجاء خلصنا،ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً،
لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟
وإن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر
ماذا يعنى: "بالرجاء خلصنا"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[هذا يعنى أننا لا نطلب كل شيء لنا في هذه الحياة، وأن يكون لنا رجاء أيضًا،مؤمنين أن ما وعدنا به الله يحققه لنا، بهذا نحن خلصنا؛ فإن فقدنا الرجاء نفقد كل ما نلناه... يود أن يقول: أتساءل، ألم تكن أنت خاضعًا لخطايا بلا حصر؟ ألم تكن يائسًا؟ما الذي خلّصك إذن؟ الرجاء في الله وحده، وثقتك من جهة مواعيده وعطاياه،فمن قدم لك بركات عظيمة هكذا لا يمكن أن يخدعك في البركات المقبلة0

يشبه القديس أغسطينوس هذا الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا بل انتظر في صبر، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة.

إذ يتعرض الرسول بولس لعون الروح القدس لنا في جهادنا حتى في الضعفات البسيطة كي نلتهب بالرجاء ونثابر بالصبر، يبرز عملاً رئيسيًا للروح القدس في حياتنا، بقولهلأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين"
"
ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده" [28
خطة الله بالنسبة لنا فائقة، فهو لا يغير مجرى الأحداث والظروف حسب أهوائنا الشخصية، إنما يحّول كل الأمور بلا استثناء لبنيان نفس المؤمن الحقيقي، فتعمل حتى الظروف المضادة لمجده.

كان الروح الإلهي يحول حتى الأمور التي تبدو لضررنا لخيرنا، لأنا مدعوون حسب قصده، فما هو هذا القصد الإلهي؟ قصد الله من جهة الإنسان أن يرفعه إلى المجد؛ فالله ليس في حاجة إلى تعبده أو خدمته إنما يحبه كابن، يوده شريكًا في المجد.

بلا شك أن حب الله الفائق الذي خلاله بذل ابنه الوحيد عنّا يسحب كل المشاعر ويمتص كل الأحاسيس ليقف الإنسان في عجز، ماذا يطلب بعد؟ يقول الرسول
"الذي لم يشفق على ابنه بل بذل لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟" [32]
كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الذي وهب الأمور العظيمة لأعدائه، أفلا يهب الأمور الأقل لأصدقائه؟

سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر.
من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات،
بل بالحري قام أيضًا،
الذي هو أيضًا عن يمين الله،
الذي أيضًا يشفع فينا" [33-34
لا يترك رعايته لنا، بل لا يزال يشفع فينا محتفظًا بذات الحب لنا.

من سيفصلنا عن محبّة المسيح؟
أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟000[35-39].
سحبت هذه التسبحة قلب الكنيسة ليشتهي أبناؤها الألم كل يوم من أجل المحبوب، ليقدّموا حياتهم ذبيحة حب لذاك الذبيح الذي سبق فبادر بالحب مقدمًا حياته مبذولة عنّا.
هنا تعبير "كل النهار" يعني كل الزمان الذي فيه تحتمل اضطهادات ونذبح فيه كغنم. هذا النهار لا يعني نهارًا يحتوي على اثنتي عشر ساعة إنما كل الزمان الذي فيه يتألم المؤمنون في المسيح يموتون لأجل.
القدّيس إبريناؤس

فإني متيقّن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات،
ربّما نتساءل: هل يمكن للملائكة أو القوات أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع؟
لم يقل هذا كما لو كانت الملائكة تحاول هذا أو القوات الأخرى، حاشا! إنما أراد أن يظهر عظم الحب نحو المسيح. فإنه لا يحب المسيح من أجل الأشياء الخاصة بالمسيح (ولو كانت السمائيين)، وإنما من أجل المسيح يحب الأشياء التي له.

معلش ياجماعة التفسير كبير علشان الاصحاح طويل
صلوا من اجل ضعفى

RORO EMAD
07-10-2010, 05:35 AM
a.اختيار الأمم أيضًا
المشكلة الرئيسية في حياة اليهود هي شعورهم بأنهم شعب الله المختار، لذلك ترك معالجتها بعد تفنيد الحجتين السابقتين الخاصتين بانتسابهم لإبراهيم واستلامهم للناموس.

عالج الرسول هذه الحُجّة بحكمة عجيبة، إذ لم ينكر اختيارهم كشعب الله، إنما أكدّ أنه لا يقوم على امتياز فيهم أو عن استحقاق خاص بهم، إنما عن محبّة الله الذي "يرحم من يشاء". خلال هذا الفهم أعلن الله أيضًا حُبّه للأمم فاختارهم هم أيضًا.

1. تقدير الرسول لليهود
إذ ختم الرسول حديثه السابق مؤكدًا أنه لا يمكن حتى للملائكة أو خليقة ما أن تفصله عن محبّة المسيح، ولئلاّ يظن اليهود المتنصّرون أنه تحدّث بهذا ليُعلن أنه مستعدّ أن يتخلّى عن شعبه بني جنسه من أجل إيمانه بالسيد المسيح، أراد أن يوضّح بقوّة أن إيمانه بالسيد المسيح يلهب بالأكثر قلبه بالحب نحو بني جنسه،
حُبّه لخلاص شعبه يؤكّد بالأكثر محبته للسيد المسيح، وشوقه لخلاصهم يثبت بالأكثر علاقته به، أمّا حديثه هنا فمن قبيل تأكيد مدى محبته لهم في الرب واهتمامه بهم، ومدى بذله لنفسه لحسابهم.

كان الرسول بولس أشبه بإبراهيم أب الآباء الذي رفع ابنه،
مؤمنًا أن محبته لبني جنسه لن تحرمه من المسيح ولا تفقده خلاصه، بل بالعكس تزيد نفسه بهاءً ومجدًا في عيني الله، لأنه إنما يمارس حب المسيح ويقبل عمل روحه فيه. فإن أعلن الرسول أنه مستعدّ أن يخدم شعبه حتى النهاية، حتى لو كان على حساب نفسه، فإن هذه المشاعر الصادقة لا تكون إلا لحساب نفسه أكثر فأكثر.

لعل الرسول بولس وهو يكتب هذه الكلمات يتمثل بموسى حين أعلن محبته لشعب الله، إذ يصرخ: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبته" (خر 32: 32).
الآن إذ يُعلن محبته الشديدة لخلاصهم قبل أن يعالج موضوع اختيارهم كشعب الله أراد أن يبرز جانبين:


أولاً: أنه لا يتحدّث كغريبٍ عنهم، أو عدوٍ يقاومهم، إنما يدعوهم هكذا "أنسبائي حسب الجسد" [3]، أي إخوتي خلال رابطة الدم
ثانيًا: إنه لا يتجاهل امتيازاتهم وكأنه يقول أنا أعلم أنكم إخوتي شعب الله الذي ميّزكم الله بميزات دون سواكم، وقد أوضح لنا أن هذه الميزات كلها تكمل في شعب الله الجديد، إذ يقول:
أ. هم إسرائيليّون: فقد نال يعقوب هذا اللقب إسرائيل بأمرٍ إلهيٍ، لأنه "جاهد مع الله والناس وغلب" (تك 32: 8). فإن كان كلمة "إسرائيل" تعني "يملك كالله
ب. ولهم التبنّي: بمعنى أن الله اشتاق أن يتبنّاهم له ليكونوا كأهل بيته وخاصته؛ فعندما دعا الله موسى للعمل وسط شعبه قال له: "فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب، إسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني فأبيت أن تطلقه، ها أنا أقتل ابنك البكر" (خر 4: 22-23)
ج. لهم المجد [4]، وكان علامته ظهور عمود السحاب والنار في البرية وأيضًا في الخيمة والهيكل وكان وجود تابوت العهد علامة وجود المجد الإلهي، لذلك عندما سمعت امرأة فينحاس باستيلاء الفلسطينيين عليه: قالت "زال المجد من إسرائيل، لأن التابوت قد أُخذ" (1 صم 4: 21). أمّا بالنسبة لإسرائيل الجديد فصار "المسيح" نفسه هو مجده، يسكن وسط شعبه ويحل في قلوبهم، ويملأهم بروحه القدوس.
د. لهم العهود [4]، إذ أراد الله أن يرفع مؤمنيه دخل معهم في عهود مستمرة ليُقيم منهم شعبًا له، لكن هذا الشعب لم يلتزم بالعهود بل تجاوزها (هو 8: 1) ونقضها (حز 17: 18) وحُسب حانثًا للعهد وخائنًا له. لذا صار المؤمنون في حاجة إلى الالتقاء مع الله على مستوى عهد جديد
ه. لهم الاشتراع [4]، إذ امتازوا بنوال الشريعة، لكنهم لم يحفظوها في حياتهم العمليّة
و. لهم العبادة [4]، وقد جاءت الشريعة تقدّم الكثير من الطقوس الخاصة بالعبادة، كانت في الحقيقة ظلاً للعبادة الروحيّة.

ز. لهم المواعيد [4]، خاصة المواعيد التي تتنبأ عن مجيء المسيّا، هذه التي اهتم الأنبياء بإعلانها.

ح. ولهم الآباء [5]، إذ جاءوا من نسل الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب.
ب. بقوله: " لأنه وهما لم يولدا بعد د، ولا فعلا خيرًا ولا شرًا"، أراد أن يؤكّد الرسول أن يعقوب لم يتبرّر بسبب أعمال الناموس، ولا أعماله الصالحة الذاتية، فسرّ محبّة الله له إنما تقوم على نعمة الله المجّانية، لكن دون سلبيّة من جهة يعقوب
ط. ومنهم المسيح حسب الجسد [5]. يكفيهم فخرًا أن السيد المسيح، كلمة الله، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد قد جاء متجسدًا منهم.

حسب اليهود أنفسهم أنهم نالوا خلال آبائهم وعدًا إلهيًا أنهم شعب الله، هذا الوعد أو هذه الكلمة الإلهية لن تسقط عبر الأزمنة. والرسول بولس كمؤمن بكلمة الله يُدرك أنها لن تسقط أيضًا، إنما الخطأ ينصبّ في فهمهم لكلمة الله
يؤكّد الرسول بولس إيمانه بكلمة الله أنها لن تسقط، ومواعيده لإبراهيم أب الآباء باقية، لكن ما يرفضه الرسول هو تفسيرهم للانتساب لإسرائيل، فإنه ليس كل إنسان من شعب إسرائيل إسرائيليًا بحق، أي ليس الكل أعضاء في شعب الله
يلاحظ في هذا النص الرسولي من7-13
أولاً: حكمة الرسول بولس وتمييزه في الحديث معهم، فكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول قدّم "إسحق" مثلاً للبنوّة لإبراهيم، فإنه وإن كان ابنًا لإبراهيم حقيقيًا لكنه لم يولد حسب قوّة الجسد أو حسب ناموس الطبيعة، إذ كان الأب شيخًا والأم عاقرًا، وإنما مولودًا حسب قوّة الوعد الإلهي. إذًا فنسل إبراهيم هم الذين ينعمون بالولادة لا حسب الجسد، وإنما حسب الإيمان والتمسك بوعود الله روحيًا.

نحن أنولد بواسطة كلمة الله. ففي جرن المعموديّة كلمة الله تلدنا وتشكّلنا. لقد ولدنا من جديد بالعماد باسم الآب والابن والروح القدس. هذا الميلاد ليس بقوّة الطبيعة بل بقوّة وعد الله
لم يصنعنا الله (كأبناء له) خلال النوم ولا بمشيئة جسد (يو 1: 13) ولا خلال جنون الشهوة... بل خلال الحب الإلهي نحو الإنسان (تي 3: 5).

وكما أنه في تلك الحالة تحقّق الميلاد بعد أن نزع الزمن الرجاء، هكذا في حالتنا نحن بعد أن غلبتنا شيخوخة الخطيّة وُلد إسحق فجأة صغيرًا وصرنا نحن أولاد الله ونسل إبراهيم
يقول القدّيس أغسطينوس: [لكي يكونوا أبناء الوعد نسل إبراهيم يلزم أن يُدعو في إسحق، وذلك بتجميعهم معًا في المسيح خلال دعوة النعمة[266].]

هذا ويرى القدّيس أغسطينوس[267] أن أبناء الجسد الذين يولدون من قطّورة هم رمز الهراطقة الذين جاءوا كما من زوجة ثانية من السراري.

ثانيًا: لم يقف الرسول بولس عند تقديم مثلٍ واحدٍ لتحقيق وعد الله بطريقة روحية لا حرفيّة جامدة، وإنما قدّم مثلاً آخر خلال اختيار الله ليعقوب دون عيسو، وهما في أحشاء رفق لذلك قدّم الرسول "يعقوب وعيسو" وهما من أب واحد وأم واحدة، بل وكانا توأمين في بطن واحدة، ومع ذلك لم يكن لهما نصيب واحد. فمن جهة الجسد لا يختلف يعقوب عن عيسو في شيء بل يمتاز عيسو بأنه البكر جسديًا. ومع ذلك "الكبير يُستعبد للصغير".
بمعنى آخر إن كان اليهود يمثّلون "الكبير" إذ سبقوا الأمم في معرفة الله، لكنهم إذ يجحدونه بينما يقبل الأمم الإيمان، يتحرّر من العبوديّة ويسقط اليهود فيها.

ثالثًا: ربّما يتساءل البعض: لماذا قيل: "لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا، لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال، بل من الذي يدعو، قيل لها أن الكبير يستعبد الصغير؟" ألعلّ عند الله محاباة؟ لماذا يحب يعقوب ويبغض عيسو؟

ب أوضح الرسول نفسه في ذات الرسالة عدم محاباة الله، قائلاً بكل صراحة: "لأن ليس عند الله محاباة
ج. لعل الرسول بولس أراد أن يوضّح لليهود أنهم وإن كانوا يعجزون عن تقديم مبرّر لاختيار الله لأبيهم يعقوب "إسرائيل"، فكيف يدركون خطّة الله نحو العالم كله؟ الله الذي سبق فأحب يعقوب وهو في الأحشاء لا يدرك شيئًا، له أيضًا أن يختار الأمم ويحبّهم
د. حديث الرسول هنا لا يقلل من دور الإيمان في الجهاد، لكنه يؤكّد أن خلاص الإنسان لا يتحقّق بالعمل الصالح خارج دائرة الإيمان، وأنه ما كان يمكن قبول يعقوب لو لم يبادر الله بالحب أولاً. لهذا لا نعجب إن سمعنا أن الله سيجازي كل إنسان حسب أعماله (مت 16: 27).

ه. يقدّم لنا القدّيس إيريناؤس[269] تعليلاً للقول الإلهي: "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو"، وهو أن الله استخدم حتى الأجنَّاء في بطن أمهاتهم كنبوّة، فأعلن هنا عن ظهور أمّتين، واحدة مستعبدة والأخرى حرّة، لكن للاثنين أب واحد، هو ربنا الواحد. فإن كان إسحق هو أب يعقوب كما أب عيسو هكذا الله هو أب اليهود كما الأمم.

و. يرى القدّيس أغسطينوس أن في هذا نبوّة لما يُحدّث في كنيسة المسيح، التي كانت كرفقة تحمل في داخلها أبرارًا وأشرارًا
3. اختيار الأمم أيضًا
إذ أعلن الرسول حُبّه الشديد لخلاص بني جنسه وحزنه عليهم لأنهم رفضوا مواعيد الله الصادقة، مؤكدا أن كلمة الله لن تسقط، وإنما تتحقق الوعود في إسرائيل الروحي الجديد، بدأ يحدّثنا عن اختيار الله للأمم كشعبٍ له، وليس من حق الإنسان الاعتراض على تدابير الله وقضائه، مؤكدًا أن هذا الاختيار ليس بالأمر الجديد، إذ سبق فأعلن الله عنه بالأنبياء.

كأن اعتراضًا قد أثير بقوله أن الله أحب يعقوب وأبغض عيسو وهما بعد في البطن لم يعملا خيرًا أو شرًا، ألا وهو: ألعلّ عند الله ظلمًا؟ وتأتي الإجابة قاطعة لا تحتاج إلى تدليل: حاشا! لأننا لا نقدر أن ندرك كل أسرار حكم الله وتدبيراته من كل الجوانب، فحكمنا البشري مختلف تمامًا عن حكم الله. هنا يودّ الرسول أن يؤكّد مبدأ هامًا أن الله لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، حتى وإن بدا لنا حسب الفكر البشري ذلك في أمر ما.
"لأنه يقول لموسى:

إني أرحم من أرحم، وأتراءف على من أتراءف
ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الله هذا مع موسى يعني أن موسى مع ما بلغه من تقدير في عيني الله لا يقدر أن يدرك أعماق حكمة الله وأحكامه، وكأن الله يقول له: [يا موسى، ليس لك أن تعرف من هو مستحق لحبي نحو الإنسان، إنما اُترك هذا لي. فإن كان ليس من حق موسى أن يعرف فكم يكون الأمر بالنسبة لنا
ويلاحظ في النص الآتي من17-24
أولاً: غاية هذا الحديث ليس تجاهل حرية الإنسان، الأمر الذي ليس موضع حديث الرسول هنا، إنما تأكيد دور الله في خلاصنا؛ إنه يعمل فينا لا عن استحقاق من جانبنا، وإنما عن حبه وفيض رحمته كنعمة مجانية.

يفرح الله ويسرّ بأولاده مشتاقًا أن يدخلوا معه في حوار، لكنه على أساس إيماني تقوي، حديث الابن الذي يتكئ على صدر أبيه لينهل منه أسرار أحكامه، ويتمتع بحكمته العلوية حتى وإن عاتبه أو خالفه أو حاججه. أما إن أخذ موقف الناقد العنيد، كما فعل بعض الفعلة مع صاحب الكرم حين أظهر الأخير كرمه ومحبته (مت 20: 1–16)، إذ قال للمتذمرين: "يا صاحب ما ظلمتك… فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي؟" يوجه الرب نفسه هذا التوبيخ لليهود الذين يرفضون رحمة الله على الأمم متذمرين على إحساناته بإخوتهم في البشرية.

، "

RORO EMAD
07-10-2010, 05:36 AM
ثانيًا: يليق بالإنسان عوض أن يقف كناقدٍ لتصرفات الله الفائقة يطلب أن يملأه حكمة ومعرفة ليكتشف أمورًا عجيبة؛ ففي العهد القديم الذي يؤمن به اليهود ويفتخرون به جاء قول الله لفرعون: "إني لهذا أقمتك لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادى باسمي في كل الأرض
ثالثًا: اقتبس الرسول بولس من العهد القديم أيضًا الذي يقدسه اليهود مثال الفخاري (إر 18: 1–10) ليؤكد به أن الإنسان في علاقته بالله كالطين في يد الخزاف، وكالجبلة في يديّ جابلها، ليس له أن يعترض على تصرفات الله وحكمته، فمن حق الخزاف أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان، وهو يتمجد في الإناءين.

بمعنى آخر، يؤكد القديس الذهبي الفم أن الرسول يود أن يقدم جانبًا واحدًا من المثل وهو أن الله يعمل بنا ولا نقدر نحن إلا أن نطيع. لكنه لا ينزع عنا حرية إرادتنا، فإن أردنا الحياة معه يقوم هو بتغييرنا لمجد اسمه، بطريقة تفوق إدراكنا.

رابعًا: إن كان الله يتمجد في آنية الكرامة بإعلان عمل نعمته المجانية في حياة مؤمنيه المجاهدين، مشتاقًا أن يكون جميع البشر آنية كرامة، لكن إذ أصر البعض إلا أن يصيروا آنية للهوان، فحتى في هذا يتمجد الله، إذ يبرز غضبه وسخطه على الخطية، فيدين الخطاة بكونه القدوس الذي لا يقبل أن يشاركه الأشرار مجده المقدس [22]، ومن جانب آخر يتمجد بطول أناته على الإنسان [22]، فإن الله يحتمل الأشرار زمانًا ولا يعاقبهم فورًا بالرغم من تجديفاتهم ومقاومتهم لعمل الله.
خامسًا: إذ أبرز الرسول أنه ليس من حقهم نقد خطة الله بسبب عجزهم عن إدراك حكمته الإلهية كما ينبغي، مظهرًا حق الله في اختيار الأمم كما سبق فاختار اليهود، لا يغلق الباب عن كل يهودي إنما عن الشعب اليهودي ككل، كما لا يعني انفتاح الباب للأمم خلاص كل أممي
4. تعثر إسرائيل
إذ سبق فقدم الرسول ردودًا على انتقاد اليهود لفتح باب الدعوة للأمم دون أن يجرح مشاعر اليهود ختم حديثه بتقديم الدلائل من الأنبياء أنفسهم، فاختار بعض العبارات التي تعلن تعثر اليهود في الإيمان وقبول الأمم له؛
هذه هي النتيجة النهائية أن الأمم الذين لم ينالوا المواعيد، ولا استلموا الشريعة ولم تكن لهم معرفة إلهية قبل الكرازة بالإنجيل لم يسعوا في إثر البرّ، ولكن إذ جاءتهم الكرازة أدركوا البرّ الذي حسب الإيمان بالمسيح يسوع، أما إسرائيل الذي له ميزات كثيرة فإذ سعى في إثر ناموس البرّ لكن خلال حرفية أعمال الناموس دون روحها، فقدوا الإيمان، واصطدموا بالسيد المسيح "حجر الصدمة"، وتحقق فيهم القول النبوي: "ويكون مقدسًا وحجر الصدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل، وفخًا وشركًا لسكان أورشليم" (إش 8: 14)… كما تحقق في الأمم القابلين للإيمان: "هاأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا، أساسًا مؤسسًا، من آمن لا يهرب" (إش 28: 16).:

REHAM
07-12-2010, 02:07 AM
إذ يعالج الرسول بولس مشكلة "اختيار شعب الله" التي أساء اليهود استخدامها، فعِوض شعورهم بحب الله الفائق لهم، والتزامهم بمسئولية الكرازة بين الأمم، تحجّرت قلوبهم بالجحود، وتعثروا في السيد المسيح "حجر الزاوية"، الذي صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة (9: 22-23). بينما قبله المؤمنون حجرًا كريمًا مختارًا (مز 118: 22؛ 1 بط 2: 6-7). الآن يكتب لنا عن "سرّ جحودهم" حتى لا نسقط نحن أيضًا فيما سقطوا فيه بطريق أو آخر
1. غيرة اليهود بلا معرفة
أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص،
لأني أشهد أن لهم غيرة لله،
ولكن ليس حسب المعرفة"[1-2
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية موضحًا أن الرسول وهو يستعد لتوبيخهم بأكثر صرامة يودّ أن يقول لهم: لا تلتفتوا إلى الألفاظ، ولا إلى الاتهامات، كأني اتهمكم بروح عدائي، فإن "خلاصكم" هو موضوع سرور قلبي وصلاتي لله.
يشهد لغيرتهم لله، لكنها غيرة ليست حسب المعرفة، سقط فيها هو من قبل، إذ كان في غيرته "ينفث تهددًا وقتلاً على تلاميذ الرب" (أع 9: 1).

ما سقط فيه اليهود يمكن أن يسقط فيه بعض المسيحيين، إذ تكون "لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة"، كأن يسلك الإنسان بفكر متعصّب دون إدراك روحي للإيمان المستقيم أو اتساع قلب لمحبّة الغير؛ أو كأن يجاهد في طريق الفضيلة غير متكىء على صدر الله بل على ذراعه البشري وقدراته الخاصة ومعرفته الزمنيّة.

سر جحود اليهود جهلهم أمرين؛ أولاً: برّ الله، ثانيًا: غاية الناموس. يقوم الأول على جهلهم عمل الله في حياة المؤمن، فطلبوا برّ أنفسهم، لا برّ الله، فصار ذلك عائقًا عن خلاصهم، والثاني جهلهم غاية الناموس وأحكامه فتمسّكوا بالحرف القاتل دون الروح الذي يحيي

2_رفضهم بساطة الإيمان
ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالناموس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الناموس؟ لذلك أسرع الرسول ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين:
أ. أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية [6-8ٍ].
ب. أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا [9-11].

أولاً: رفضهم الإيمان البسيط القريب
وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا:
لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح،
أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات،
ولكن ماذا يقول؟
الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك،
أي كلمة الإيمان التي نكرز بها" [6-8
كان موسى يُحدّث شعبه عن الشريعة أو الوصيّة الإلهية أو الكلمة الإلهية، كيف صارت بين أيديهم ليست ببعيدة عنهم، ليست بالشريعة المرتفعة في السماء يصعب بلوغها والتعرف عليها، ولا هي في الأعماق ليس من ينزل إليها ليجلبها. إنما صارت في وسطهم تبكّتهم وتحثهم على الرجوع إلى الله.



إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).


ثانيًا: التمتّع بقيامة المسيح فينا‬
لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع،
وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت،
لأن القلب يؤمن به للبرّ،
والفم يعترف به للخلاص،
لأن الكتاب يقول: كل من يؤمن به لا يخزى" [9-11]
كان الإيمان ليس بالأمر الصعب، لكنه كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم يطلب نفسًا متيقظة ساهرة تقبل المسيح الذي قام من الأموات.

الاعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجد الإنسان، وإنما لمجد الله نفسه0



لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى" [11]. اقتطف الرسول بولس ذلك عن سفر إشعياء (28: 16 الترجمة السبعينية)، ليؤكّد أمرين، الأول أنه بأعمال الناموس يمكن للإنسان أن يخزى، إذ يعجز عن التمتّع بالبرّ، أمّا بالإيمان الحيّ فلن يخزى. الأمر الثاني أنه لم يحدد فئة معيّنة بل قال: "كل من يؤمن به"، مؤكدًا عمومية الخلاص بلا تمييز بين يهودي وأممي.


3. رفضهم حب الله الشامل
لا يتوقف الرسول بولس عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم، "لأن الله، هو رب الكل" (أع10: 36) كما قال القدّيس بطرس في بيت كرنيليوس.


4. رفضهم الالتزام بالكرازة

يدخل القدّيس بولس الرسول بهم إلى اتهام جديد، ألا وهو تجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار: الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. فإن كان الخلاص يتطلب الدعوة باسمه كقول يوئيل النبي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13؛ يوئيل 2: 28-29)، فالدعوة باسمه تستلزم الإيمان به، والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقّق إلا بالكارزين، والكارزون لا يبشِّروا ما لم يُرسلوا.وقد أُرسل لهم الكارزون فعلاً وكرزّوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة كقول إشعياء الذي أعلن عن رسالة الكارزين المبشرين بالسلام (إش 52: 7)، ومع هذا فقد رفض اليهود الإيمان، فهم بلا عذر.. هذا ما قصده الرسول بقوله
فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات..." [14-15].

على أي الأحوال حتى هذا الرفض للإيمان تنبأ عنه إشعياء، إذ يقول الرسول: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول:
يا رب من صدّق خبّرنا؟ إذًا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقول: ألعلّهم لم يسمعوا؟ بلى إلى جميع الأرض خرج صوتهم، وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم" [16-18].
لقد سبق فأنبأ إشعياء أنه ليس الجميع يطيعون الإنجيل، إذ يرفض كثير من اليهود خبر التبشير الذي سبق فأعلنه النبي نفسه (إش 53: 1). هو قدّم الخبر ليؤمنوا بالإنجيل، لكنهم لم يسمعوا، مع أن الأمم الذين في أقاصي المسكونة سمعوا وآمنوا، وهكذا صاروا شهودًا على اليهود.

5. شهادة الأنبياء عن جحودهم

لكني أقول: ألعلّ إسرائيل لم يعلم؟
أولاً: موسى يقول أنا أُغيرَكم بما ليس أمة،
بأمّة غبيّة أغيظكم(تث 32: 21)؛
ثم إشعياء يتجاسر ويقول: "وُجدت من الذين لم يطلبوني،
وصرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عني(إش 65: 1)؛
أما من جهة إسرائيل فيقول:
"طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم"(إش 65: 2) [19-21]

أولاً: يتساءل الرسول بولس: "ألعلّ إسرائيل لم يسمع؟" وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد: هل سمع إسرائيل ولم يفهم؟ إن كان الأمم الوثنيّون سمعوا وأدركوا الإيمان، فكم بالأحرى كان يليق باليهود الذين [أعطاهم الله منذ القدم كل العلامات التي تستهدف نحو إزالة الغشاوة عن عيونهم

ثانيًا: اقتبس الرسول العبارة الموسويّة (تث 32: 21): وكأن الله قبل الأمم الوثنيّة كشعبٍ له خلال الإيمان ليُثير أيضًا مشاعر اليهود لعلهم يرجعون عن جحودهم ويتوبون إلى الله، وهكذا لم يغلق الرب الباب في وجه أحدٍ.



ثالثًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في العبارة "طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. ويرى القدّيس يوستين في هذا القول النبوي (إش 65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل.

صلوا من اجلى

REHAM
07-12-2010, 10:35 PM
إن كان الرسول بولس كيهودي حقيقي فنّد بروح الحب حجج اليهود، لا ليحط من امتيازاتهم في العهد القديم، إنما ليرفعهم فوق روح التعصّب وضيق الأفق، فيتمتّعوا مع سائر الأمم ببرّ المسيح، بل ويشعروا بالتزامهم بالكرازة به أكثر من غيرهم، الآن كرسولٍ للأمم يحذّر بذات روح الحب أيضًا الأمم المتنصّرين لئلاّ يفقدوا برّ المسيح خلال كبريائهم أو استخفافهم بإخوتهم اليهود، موضحًا خطّة الله الفائقة نحو الكل

1. لا يرفض الله شعبه1-10
في هذا الأصحاح يعطي الرسول رجاءً لليهود ليتخلّوا عن جحودهم للمسيّا وتعصبهم البغيض، كما يقدّم تواضعًا للأمم الذين دخلوا إلى الإيمان بالتطعيم في الشجرة الأصيلة.


بدأ الرسول حديثه بسؤال مع إجابة سريعة قاطعة يليها شرح تفصيلي
فأقول: ألعلّ الله رفض شعبه؟ حاشا.
لأني أنا أيضًا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين.
لم يرفض الله شعبه الذي سبق فعرفه.
أم لستم تعملون ماذا يقول الكتاب في إيليا؟" 00000[1-5

قال: "شعبه الذي سبق فعرفه" [2].
فإن الذين قبلوا الإيمان من اليهود هم قليلون لكنهم "معروفون" لدى الله.


شعب الله معروف لديه، يعرف عددهم، ويناديهم بأسمائهم، وإن كانوا قلّة مخفيّة كما في أيام إيليا حيث انحرف الشعب إلى العبادة الوثنيّة وقتلوا الأنبياء وهدموا مذبح الله، لكن الشعب الحقيقي كان محصيًا لديه (7000 رجل) لم يحنِ ركبة لبعل بل هو أمين في عبادته، لم يعرفه حتى إيليا نفسه الذي ظن أن الشعب كله قد هلك، فطلب لنفسه الموت، قائلاً: "بقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (1 مل 19: 4، 14).


يقدّم الرسول بولس ثلاثة أدلة على عدم رفض الله لشعبه:


أ. يقدّم نفسه دليلاً على ذلك، إذ يقول: "لأني أنا أيضًا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين" [1]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يقول أنا المعلم والكارز... لو أن الله رفضهم لما اختير هو نفسه الذي من هذا الجنس ليقوم بالكرازة والاهتمام بشئون العالم وكل الأسرار والتدبير الشامل



أمّا الدليل الثاني فهو ما ورد في سفر ملوك الأول (ص 19) عن إيليا النبي الذي ظن في نفسه أنه لم يعد يوجد بعد شعب مختار لله إذ يقول: "يا رب قتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك، وبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي" [3]. لقد اختفت الكنيسة حتى عن عينيّ إيليا النبي الغيور، لكنها لن تختفي عن عيني الله.



ج. الدليل الثالث على تتمة وعود الله لشعبه الذي سبق فعرفه فقد أورده في الأصحاح السابق، إذ أعلن كلمات الرب على فم موسى النبي: "أنا أغيركم بما ليس أمة، بأمّة غبيّة أٌغيظكم" (10: 19) موضّحًا أن ما حدث من جحود بالنسبة لأغلبية اليهود يفتح باب مراحم الله أمام الأمم حتى متى يتم مِلء الأمم، في آخر الأزمنة، يرجع اليهود عن كبريائهم

فكذلك في الزمان الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة.
فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال،
وإلا فليست النعمة بعد نعمة،
وإن كان بالأعمال فليس بعد نعمة،
وإلا فالعمل لا يكون بعد عملاً.00000" [5-11
يلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي:
أ.البقيّة التي تتمتّع بالخلاص، تتمتّع به خلال نعمة الله المجّانية، وليس خلال حرفيّة أعمال الناموس ولا أعمال البرّ الذاتي. هذه الأعمال تضاد النعمة: أعمال الحرف القاتل التي بلا روح، والأعمال النابعة عن الذات، أمّا الأعمال الروحيّة التي هي من صنيع الروح القدس فينا فليست مضادة للنعمة بل تتجاوب معها.

ب. إذ أبرز الرسول قوّة النعمة الفائقة أظهر سرّ جحود غالبية شعب إسرائيل،يقول الرسول:
فماذا؟ ما يطلبه إسرائيل ذلك لم ينله" [7]
لأنه طلب أن يتبرّر بأعمال الناموس الحرفيّة وسعي ببرّه الذاتي فحُرم من عطيّة البرّ
ولكن المختارون نالوه" [7].
هذه القلّة التي قبلت الإيمان بالمسيح ونالت النعمة الإلهية تمتعت بالخلاص كفئة مختارة. ولئلاّ تعترض الأكثرية، قائلة: "ما ذنبنا نحن مادمنا غير مختارين؟ لذلك كشف الرسول عن دورهم في الجحود: "وأمّا الباقون فتقسوا" [7]. إن كانت النعمة هي عطيّة الله المجّانية فإن قسوة القلب هي من عندنا.


كما هو مكتوب: أعطاهم الله روح سُبات، وعيونًا حتى لا يبصروا، وآذانًا حتى لا يسمعوا إلى هذا اليوم"[8]
هكذا يوضّح لهم الرسول أنهم إذ رفضوا عمله فيهم صاروا إلى حال رديء، إذ صارت نفوسهم لا ترى الحق ولا تسمع له، بل صارت نائمة وخاملة تحمل "روح السبات" الذي يعني عدم التغيير، أو الاستكانة لما هي عليه من شر.

"لتنحنِ ظهورهم" علامة الضعف والعجز الروحي والعبوديّة، فإن الخطيّة ثقيلة ومرهقة للنفس، والناموس يعجز عن أن يرفعها خارج النعمة.


2.قبولهم خلال توبتهم

يرى القدّيس بولس أن الله سمح بقسوة قلب اليهود لينفتح الباب للأمم، فإن عاد هؤلاء بالتوبة والإيمان إلى الله كم يكون حال الكل؟ إذ يقول
فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا.
بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم.
فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، لكم بالأحرى ملؤهم!
فإني أقول لكم أيها الأمم إني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي.000[11-16
ويلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي:
أولاً:عجيب هو الله في حُبّه وحكمته، يستخدم عثرة اليهود لخلاص الأمم، ويستخدم خلاص الأمم لإغارة اليهود ليرجعوا إليه بالتوبة. إنه صانع خيرات، يحوّل الشرّ كما الخير لبنيان البشريّة فيه.

ثانيًا:يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة:
"فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا! بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم" [11]،
قائلاً بأن الرسول أراد أن ينزع عنهم روح اليأس ويهيئهم لقبول النعمة، مظهرًا أن عثرتهم كانت بسماحٍ إلهيٍ لخلاص الأمم



ثالثًا:يُعلّق أيضًا القدّيس يوحنا الذهبي الفم على القول الرسولي:
فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟!" [12]
قائلاً: [هنا يتكلّم ليعظمهم... لأنه إن كان بتعثّرهم تمتّع كثيرون بالخلاص، وبرفضهم صار كثيرون مدعوّين، ماذا يكون الحال برجوعهم



رابعًا:يقدّم لنا الرسول سببين رئيسيين في خدمته للأمم:
أ‌. التزامه بالعمل كرسولٍ مفرزٍ لخدمة الأمم، يشعر بثقل المسئولية الملقاة على كتفيه من قبل الله نفسه الذي أفرز من بطن أمه وكرّسه لهذا العمل0
ب‌. أمّا السبب الثاني، فهو يري في خدمته للأمم ما يثير غيرة اليهود، مشتاقًا أن يقبلوا النعمة التي قدمت لهم ورفضوها

خامسًا:أراد أن يبرز قوّة عودة اليهود الجاحدين إلى الإيمان بالسيد المسيح، فحسب هذا العمل أشبه بالقيامة من الأموات، إذ يقول:
"لأنه إن كان رفضهم هو مصالحة العالم، فماذا يكون اقتبالهم إلا حياة من الأموات؟" [15

سادسًا: لا يتجاهل الرسول بولس الباكورة الأولى، أي رجال العهد القديم من اليهود كإبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء، هؤلاء الذين يشبههم الرسول بالباكورة المقدّسةاو الاصل المقدس ، إذ يقول:
وإن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين، وإن كان الأصل مقدّسًا فكذلك الأغصان" [16].
السيد المسيح هو سرّ تقديسنا، نحمله فينا كباكورة، ويحملنا فيه بكونه الأصل حامل الأغصان. يختفي فينا لتقديسنا، ونُحمل به لإثمارنا،

4.الامم زيتونة برية
يسأل الرسول الأمم المتنصّرين: "لا تفتخر على الأغصان... لا تستكبر بل خف" [18-20].
بينما يوبخ اليهود على عدم إيمانهم: "حسنًا، من أجل عدم الإيمان قُطعت" [20]،
يتحدّث بحزم مع الأمم أن يثبتوا في الإيمان الذي قبلوه خلال "مخافة الرب". يطالبهم ألا يتكبّروا لئلاّ تُنتزع النعمة الإلهية عنهم بل يخافون، لا الخوف النابع عن عدم الإيمان الذي تطرده المحبّة خارجًا (1 يو 4: 18)، وإنما مخافة الرب المقدّسة، إذ قيل: "أجعل مخافتي في قلوبهم، فلا يحيدون عني" (إر 32: 40

وأمّا اللطف فلك أن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضًا ستقطع" [22].
إن كان الله يطلب الثمر فإن الرسول يؤكّد أن هذا الثمر يتحقّق بالثبوت في لطف الله [22]، فإن كنّا بالإيمان تمتّعنا بنعمته الغنية، فبثبوتنا في هذا الإيمان المعلن خلال تجاوبنا مع نعمة الله بالحياة العاملة، ندخل بالأكثر في دائرة لطف الله.



ربّما يستصعب الكثيرون عودة اليهود لقبول السيد المسيح الذي صلبوه وقاوموه حتى بعد صعوده؛ هل يمكن لليهودي أن يقبل الإيمان المسيحي ويتخلّى عن تعصّبه؟ يجيب الرسول(24 أنه إن كان الإيمان عمل فائق للطبيعة، إذ طُعّم أغصان الزيتون البريّة في الأصل الدسم المثمر، وحُسب الأمم الذين ورثوا الرجاسات الوثنيّة أبناء لإبراهيم روحيًا، فهل يصعب عليه أن يردّ الأغصان الطبيعية إلى أصلها؟

4.انتظار توبة اليهود
يقول: متى نزعت خطاياهم وليس عندما يقدمون ذبائح ولا عندما يمارسون أعمال الناموس الأخرى. هذا الوعد لم يتحقّق فيهم لأنهم لم ينالوا غفران الخطايا بالمعموديّة، لذلك فسينتهي هذه الوضع. "من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم" [28

صلوا من اجل ضعفى

keeroo atef
07-13-2010, 06:30 AM
إن كانت الأصحاحات السابقة تكشف عن إمكانيات النعمة في حياة المؤمن، ففي هذا الأصحاح وما يليه يحدّثنا الرسول عن ترجمة النعمة في حياتنا العمليّة، حتى لا نحرم من الثبوت في السيد المسيح والتمتّع بنعم إلهية بلا توقف، كقول الإنجيل: "ومن ملأه نحن جميعا أخذنا نعمة فوق نعمة" (يو 1: 16).

يفتتح الرسول بولس هذا الفصل العملي لا بتقديم وصايا تفصيليّة محدّدة، وإنما بتقديم الحياة كلها ذبيحة حب الله، معلنًا لنا عن غاية الوصيّة: ردّ الحب بالحب، وتسليم الحياة بكاملها للَّه، في أعماقها ومن جذورها

إن كان كلمة الله المتجسّد قد قدّم لنا حُبّه عمليًا بتقديم جسده ذبيحة حب على الصليب، هكذا يليق بنا خلال اتحادنا معه أن نحمل ذات فكره، فنقدّم حبّنا للَّه عمليًا، بتقديم أجسادنا ذبيحة حب للَّه، لا بذبح الجسد بطريقة مادية، وإنما بقبول "الإماتة" من أجل الله، وكما يقول الرسول: "من أجلك نمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 36).

لكى نقدّم حياتنا ذبيحة حب، يلزم أن نقدّمها مقدّسة للرب، فلا تكون حياتنا على شاكلة أهل العالم الحاضر الذي يعيشون لحساب الجسد، ويطلبون الكرامات الزمنيّة، وإنما يلزم تجديد الذهن الداخلي لنحمل لا إرادتنا الذاتية، بل إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة. تجديد القلب والنفس على صورة خالقنا يهبنا إرادته عاملة فينا، فتكون تصرفاتنا الخارجية أو سلوكنا الظاهر يمثّل النقاوة الداخليّة.

يطالبنا الرسول بولس بالحياة المقدّسة في الرب خلال الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا بتجديد أذهاننا يسألنا ألا يرتئي أحد فوق ما ينبغي، لئلاّ يظن في نفسه أنه أفضل من غيره، فإن كان الروح يعمل فيه بطريقة فائقة، لكن لكل واحد موهبته وقياس لقامته الروحيّة، فيسلك في جهاده الروحي بروح التواضع والحكمة، بما يناسب ما يناله من نعم إلهية وعطايا.

الآن إذ سألنا أن نحمل تجديدًا حقيقيًا في الداخل [2]، فيكون لنا الفكر المتعقّل، مدركين بروح التواضع أن ما نحمله حتى من إيمان هو عطيّة إلهية، ليس لنا أن نفتخر بها كما لو كانت من عندنا أو باستحقاقنا، فعلى هذا الأساس المتين يطالبنا بالعمل والجهاد، مُعلنًا أن يضرم كل واحد موهبته حسبما وهبه الله. بمعنى آخر إن تجديدنا الداخلي وتواضع فكرنا يلهب قلبنا للعمل ليس حسب هوانا بل حسب عطيّة الله لنا التي تتكامل مع عطاياه لإخوتنا، وتتناغم معها بروح واحدة كلٌّ يعمل في مجاله بفرحٍ وبهجة قلب، فلا يحسد من يظنه أفضل منه في الموهبة ولا ينتفخ على من يظنه أقل منه فيها... فإن المواهب متنوّعة ولكن الروح واحد (1كو12: 4)؛ هي عطيّة النعمة الإلهية

يميّز الرسول بين الرسل والأنبياء والمعلِّمين: "وضع الله أناسًا في الكنيسة، أولاً رُسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلِّمين" (1 كو 12: 28). ربّما يختلف المعلِّمون عن الأنبياء في تخصصهم للعمل التعليمي البحت كدراسات روحية بنّاءة.

يقوم التمييز بين الواعظ والمعلم على أساس أن الأول عمله الحثّ على التوبة، خاصة بين الجماهير. أمّا الثاني فيهتم بالفكر الدراسي الروحي. وإن كان غاية الكل هو التقاء كل نفس بالثالوث القدوس. ربّما عني بالوعظ الحديث التأملي العاطفي، أمّا التعليم فيقوم بالأكثر على دراسة موضوع معين.
بعد أن استعرض المواهب الروحيّة الخاصة بالكرازة والتعليم والوعظ والعمل الرعوي صار يتحدّث عن العمل السلوكي كجزء لا يتجزأ من المواهب الروحيّة، فحين يحث المعطي أن يقدّم بسخاء، إنما يودّ أن يُعلن له أن يكون أمينًا في عطائه. يعطي بحبٍ كما بغير كيلٍ، يعطي بقلبه المتسع. وكما يقول السيد: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 25)، بمعنى إنه يعطي بفرحٍ وتهليلٍ، ولا ينتظر أجرة؛ يشعر بلذّة وبهجة روحية في عطائه أكثر مما في أخذه.
ليكن المدبر للأمور الكنسية عاملاً باجتهاد روحي وغيرة مقدّسة.
لا يفصل الرسول بين المواهب الكرازيّة والتعليميّة والرعويّة وبين الخدمات الحيّة (العطاء) أو التدبير. فالكنيسة وإن ضمت أعضاء لهم مواهب متنوعة لكنها ما دامت تقدّم بروح الإنجيل فهي متكاملة.

إذ حثنا الرسول على العمل، كل حسب موهبته، بروح متواضع، يسألنا أن نسلك بالحب الأخوي مترجمًا عمليًا بحب الخير للآخرين وكره الشرّ، وتقديم الآخرين في الكرامة و إن كان التواضع هو الخط الواضح في إضرام المواهب، فإن الحب هو الفكر السائد الذي يربط الكنيسة معًا في الرب كأعضاء حيّة متكاملة، تعيش معًا بروح الكمال، منسجمة معًا، تشارك بعضها البعض.

إن كان الرسول بولس قد ركز أنظارنا على عطايا الله الفائقة ونعمته العاملة فينا، لنضرم مواهبه فينا بروح التواضع، ونسلك معًا بروح الحب، فإن الحياة المسيحية جهاد لا ينقطع. هي انتهاز لكل فرصة للعمل بروح الله باجتهاد لنحيا ملتهبين بالروح، عابدين الرب بقوة.
يحثنا على الجهاد، قائلاً: "غير متكاسلين في الاجتهاد" [11]. وكما يقول الحكيم سليمان: "كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك" (جا 9: 10)، "اذهب إلي النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا" (أم 6: 6). ويوصينا القديس بطرس الرسول: "وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة … لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذ فعلتم ذلك لن تزلوا أبدًا" (2 بط 1: 5- 10).

إذ يلهبنا الروح القدس فنعبد الرب فوق حدود الزمن نمتليء رجاءً بالأمور غير المنظورة فتفرح قلوبنا ويتسع قلبنا لاحتمال الضيق، ملتجئين إلى الله بالصلاة الدائمة، إذ يقول الرسول: "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة" [12].

إن كان "الحب" هو الخط الواضح في كل هذه الوصايا الرسولية، فأحد ملامح هذا الخط العملي هو: "مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء" [13]. هذا هو ثمر طبيعي للعضوية في الجسد الواحد، إذ يشارك العضو أخاه في احتياجاته. نرى ذلك واضحًا في مساهمة أهل فيلبى في احتياجات القديس بولس الذي فرح لا بالعطية في ذاتها وإنما بثمر الحب المتكاثر، إذ كتب إليهم هكذا. "أرسلتم إليّ مرة ومرتين لحاجتي، ليس أني أطلب العطية، بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم… فيملأ إلهي كل احتياجاتهم بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع" (في 4: 16–19).

جاء الوصية الإلهية تأمرنا أن نبارك الذين يضطهدوننا (مت 5: 44؛ لو 6: 28). فإننا إذ كنا نستحق اللعنة، حملها السيد المسيح عنا على الصليب، ليهبنا بركته عاملة فينا، يليق بنا أن نرد له هذا العمل في خليقته التي يحبها فنحب الذين يضطهدوننا، مباركين إياهم... لقد صارت حياتنا بالمسيح تحمل بركته، فكيف نستطيع أن نلعن أحدًا ؟ لذلك يقول معلمنا يعقوب الرسول: "من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة؛ ألعل ينبوعًا ينبع من نفس عين واحدة العذب والمرّ؟" (يع 3: 10- 11).

لا تقوم هذه الشركة على فكر اجتماعي بحت أو مجاملات ظاهرية، وإنما عن شركة الأعضاء التي تشعر ببعضها البعض. ربما يسهل على الإنسان أن يحزن مع الحزين ويئن مع أناته، لكن يصعب جدًا أن يفرح مع فرح أخيه، هذا يتطلب نفسًا سامية، فلا يحسد أخاه على نجاحه، بل يفرح معه، حاسبًا كل نجاح لأخيه هو نجاح لنفسه. يقول الرسول: "فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه، وإن كان عضو يكرم فجميع الأعضاء تفرح معه، وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1 كو 12: 26-27).

يحثنا على المحبة التي "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5) ، بل ما هو للغير (في 2: 4) كأنه لنفسها. هذا هو الحب الذي به يحب الإنسان قريبه كنفسه، مهتما اهتمامًا واحدًا، غير مميز بين ما هو لنفسه وما هو لغيره.

و من عدد 17 لعدد 21 :

أولاً: يعتني الإنسان المسيحي بأمور حسنة قدام جميع الناس، يهتم بالشهادة لله محب البشر، فلا يجد مجالاً لرد شر الآخرين بالشر... لا يتلائم هذا مع غايته ولا مع طبيعته الجديدة التي تمتع بها.
ثانيًا: يقول "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس"، إذ يليق بنا بذل كل الجهد لنكسب كل نفس بالحب والسلام، لكن هناك أوضاع يستحيل فيها ذلك مثل مقاومة الهراطقة للإيمان، إذ يستحيل أحيانا مسالمتهم لأنهم يخدعون البسطاء إلى الجحود أو الإيمان المنحرف إن تسللوا إلى الكنيسة، أو إنكار أحد الزوجين الإيمان (1 كو 7: 15).
ثالثا: ماذا يعني بقوله: "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا مكانًا للغضب" [19]؟ إن كان يقصد به غضب الإنسان، فيعني أن نحتمل غضبه بالصبر، ونقابل ثورته بالحب كقول السيد المسيح: "لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا" (مت 5: 39).
رابعا: ماذا يعني "تجمع جمر نار على رأسه"؟ هل نقدم الطعام للعدو الجائع والماء للظمآن بقصد إغاظته؟
أن الوصية بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم، إنما تعني جمر نار روح الله الذي ينقي العدو بالتوبة حتى يدرك حبك مقابل عداوته.
إنها تعني أنك تنقي عدوك من الخطية، لأن صبرك يغلب مشورته.
بمعنى آخر، إنك تشفيه من رذائله بحرق حقده لترده بالتوبة.
خامسًا:يوصينا الرسول: "لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير" [21]، فإن كان الشر يجعل الإنسان ضعيفًا فلا تقابل الضعيف بالضعف، إنما قابله باتساع القلب في نضوج الحب.
صلوا من أجلى

keeroo atef
07-14-2010, 03:16 PM
سبق فتحدّث الرسول عن المسيحي والحياة اليومية (ص 12) مظهرًا كيف يليق به أن يترجم إيمانه عمليًا في كل حياته، سواء في عبادته لله أو تقديس جسده بالروح القدس، أو في علاقته بالمؤمنين كأعضاء معه في الجسد الواحد ثم مع جميع الناس حتى مضطهديه، مقدّمًا بنعمة الله شهادة حيّة لمسيحه محب البشر. الآن يحدّثنا الرسول عن مركزه كمواطن حيّ يشعر بالتزاماته نحو وطنه بروح التواضع والاحترام. فإن كان المؤمن يدرك أن قلبه قد انطلق نحو السماء ليجد له فيها موطنًا أبديًا، فهذا يزيده التزامًا بالخضوع والحب ليشهد للوطن السماوي خلال سلوكه العملي.

لقد ارتبطت العقيدة الدينية في ذهن اليهودي بالسياسة، فحسبوا أن المسيّا المخلص قادم لإنقاذهم من السلطة الرومانية وبسط نفوذهم على مستوى العالم، الأمر الذي دفعهم إلى صلب ربنا يسوع المسيح إذ لم يجدوا فيه سؤل قلبهم. أمّا المسيحي فكمؤمن حقيقي يدرك أن السماء هي دائرة اهتمامه الداخلي، كقول الرسول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 1-2). هكذا ينسحب قلبه إلى السماويات، مدركًا أن حياته كلها في يدي ّ الله ضابط الكل. ولا يطمع المسيحي كمؤمن في مراكز زمنية، ولا يرتبط إيمانه بالسياسة، إذ يرى في كنيسته ليست مؤسسة زمنية وإنما "حياة سماوية"، لا تدخل في السياسة، وإنما تقبل الكل بروح التواضع والخضوع والحب في الله.

في خضوعنا للسلطان نمارس وصية إنجيلية كجزءٍ لا يتجزأ من حياتنا الروحيّة. هذا الخضوع لا يكون بالفم أو اللسان، وإنما بالعمل الجاد، بإيفاء الوطن حقّه علينا، فبسرور نقدم الالتزامات، إذ يقول الرسول: "فإنكم لأجل هذا توفون الجزيّة أيضًا، إذ هم خدّام الله مواظبون على ذلك بعينه؛ فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزيّة لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، الخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" [6-7].

اِلتزامنا نحو الوطن لا يقف عند الخضوع للسلاطين ودفع التزاماتنا الماديّة كالضرائب وإنما يمتد أيضًا لحب كل إنسان، إذ يقول الرسول: "لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بأن يحب بعضكم بعضًا، لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس" [8]. لا يستريح المؤمن مادام عليه دين، فيبذل كل الجهد أن يفي دين الآخرين عليه، ولعلّه يقصد هنا أنه يليق بالشعب أن يفوا الحكام الدين، لأن الآخرين يبذلون كل الجهد لأجل سلام الشعب.

إذ يمتليء القلب حبًا حقيقيًا، إنما يمتلئ بالله نفسه الذي يشبع القلب والنفس والعواطف والأحاسيس، فلا يحتاج الإنسان إلى ملذات العالم وإغراءاته ولا شهوات الجسد ولا خداعات الخطيّة لتملأ حياته. الحب مشبع للكيان الإنساني، ومبهج للحياة ! بالحب أيضًا نلتقي مع السيد المسيح محب البشر، فتصير الوصايا الإنجيليّة هي ناموس حياتنا الداخليّة، عندئذ يكمل فينا الناموس بكونه وصايا سهلة وهينة. فالمحبّة وهي أم كل فضيلة، ترفع الإنسان في أعماقه فوق كل شرّ، ليحيا بالروح مكملاً الناموس.

إن كان يليق بنا أن نكون أمناء بالنسبة لوطننا الأرضي فنخضع للسلاطين، ونقدم لهم الكرامة عمليًا بالحياة الفاضلة، ونحب جميع إخوتنا كأنفسنا، فإن هذا الإلتزام ينبع عن أعماقنا الملتهبة بحب الوطن السماوي، وشوقنا الدائم للاستعداد للانطلاق إليه. لنكن أمناء ومحبّين للكل لأن أيّامنا على الأرض مقصّرة، هي مجرّد "ساعة"، وكأنها ساعة نوم نستيقظ لنجد أنفسنا مع الله وجهًا لوجه في ملكوته السماوي أبديًا. يشعر الرسول أن كل يوم ينقضي إنما يدخل به إلى الأبدية مقتربًا من نهاية حياته الزمنيّة لينعم بشهوة قلبه. كأنه يترقب خروجه من العالم يومًا وراء يوم، وساعة بعد ساعة! هذه هي احساسات الكنيسة الأولى، إذ نسمع: "الوقت منذ الآن مقصّرً" (1 كو 7: 29)؛ "نهاية كل شيء قد اقتربت" (1 بط 4: 7)؛ "هي الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18).

يرى القدّيس بولس أن ليل الحياة الحاضرة يتناهى، لكي يقترب نهار الأبدية التي بلا ليل، لذا لاق بنا أن نتهيأ لهذا النهار فنحمل فينا السيد المسيح "شمس البرّ"، نلبسه فيحطِّم فينا كل أعمال الظلمة، مشرقًا علينا بأعماله المقدّسة كأسلحة نور.

إذ أوشك هذا (الليل) على النهاية واقترب اليوم الأخير يلزمنا أن نمارس الأعمال التي تخص الأخير لا الأول...
إذ يرحل الليل تمامًا يسرع كل منّا نحو الآخر، قائلاً: لقد حلّ النهار، فنمارس أعمال النهار، كأن نلبس، تاركين أحلامنا ونومنا ليجدنا النهار مستعدين... هكذا فلنخلع عنّا تخيلاتنا، ولنترك أحلام هذه الحياة الحاضرة، ولننزع عنّا النوم العميق ونلتحف بثياب الفضيلة...
يقول: "فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور" [12]. نعم لأن النهار يدعونا أن نلبس الأسلحة ونحارب (روحيًا). لا تخف عند سماعك الأسلحة، لأن العدّة المنظورة ثقيلة وارتداءها مضني، أمّا الأسلحة هنا فمرغوب فيها، يستحق أن نصلي لنواله، لأنها أسلحة من نور! إنها تجعلك أكثر بهاءً من أشعة الشمس وتهبك بريقًا عظيمًا، وتقدّم لك أمانًا... إنها أسلحة النور!
"لنسلك بلياقة كما في النهار" [13]... لم يقل: "اسلكوا"، بل قال "لنسلك" ليجعل حثه بعيدًا عن التعقيد وتوبيخه لطيفًا!...
"بل البسوا الرب يسوع المسيح" [14]... لا يحدثهم عن أعمال معيّنة وإنما يثير فيهم أمورًا أعظم، لأنه حينما تحدّث عن الرذيلة أشار إلى أعمالها، أمّا وهو يتحدّث عن الفضيلة فلا يُشير إلى أعمالها بل إلى أسلحتها ليظهر أن الفضيلة تجعل صاحبها في آمان كامل وبهاء عظيم...
صلوا من أجلى

keeroo atef
07-15-2010, 06:58 PM
الكنيسة مستشفى لعلاج كل مريض وليست محكمة لإدانة الناس، لذا يليق بالمسيحي أن يترفّق بأخيه الضعيف في الإيمان ليسنده بروح الحب لا الإدانة، حتى يسير الكل في طريق الخلاص، وينعم الكل بالشركة مع الله.

يلاحظ في هذا النص الرسولي وما يليه في هذا الشأن [1–9] الآتي:
أولاً: إن كان أحد في ضعف إيمانه متشكّكًا من جهة أكل اللحوم التي يحسبها الناموس نجاسة، فهو وإن كان ضعيفًا لكنه مقبول لدى الله، فلا يليق رفضه. تقبله الكنيسة دون أن تحطِّمه بمناقشات تحطِّم حياته.
ثانيًا: يقول الرسول "لا يزدرِ" القوي بالضعيف. قد يوجّهه أو يحثّه على ما هو أفضل، لكن دون تشكيكه في أمر خلاصه، ودون الاستخفاف به. والعجيب إن الرسول بولس وهو يمثل الإنسان القوي الإيمان من جهة عدم تشكّكه، ساميًا فوق الأعمال الناموسيّة الحرفيّة، خضع لهذه الأعمال ليس من أجل ضميره هو وإنما من أجل ضعفاء الإيمان حتى لا يعثروا بسببه. إذ يقول: "فإني إذ كنت حرًا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين، فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس... صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حالٍ قومًا" (1 كو 9: 19–22).
ثالثًا: يقول الرسول: "لا يدن من لا يأكل من يأكل"، فإن الضعفاء في الإيمان الذين تشكّكوا من جهة الأطعمة المحرمة ناموسيًا صاروا يدينون اليهود المتنصّرين، الذين لم يعودوا يخضعون لهذه التشريعات حرفيًا، وحسبوا أنهم نهمون. هكذا صار الضعيف ديّانًا للقوي عِوض مراجعته لنفسه فيما يتصرف.
ثم يكمل الرسول حديثه: "من أنت الذي تدين عبد غيرك؟! هو لمولاه يثبت أو يسقط، ولكنه سيثبت لأن الله قادر أن يثبّته" [4]. هنا يوجّه الحديث للشخص الضعيف الذي يدين أخاه لأنه يأكل متهمًا إيّاه بالنهم، حاسبًا في تصرفاته أنه إنسان ساقط، فيضع نفسه موضع مولاه ليحكم على الآخرين، بينما يهتم المولى نفسه ليثبّت المؤمنين.
نعود إلى حديث الرسول بولس هنا لنراه يودّ أن يرفع المؤمنين في هذه الكنيسة الناشئة عن الصراع في أمر الأعمال الناموسية الحرفيّة، ليهتم الكل، لا بهذه الأمور وإنما بالشكر لله. يقول الرسول: "الذي يهتم باليوم للرب يهتم، والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم، والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله" [6]. هكذا يظهر الرسول صدق نيّة الكل سواء الذي في ضعف لا يقدر أن يتخلّى عن التزامه بأعمال الناموس، كحفظ الأعياد والأصوام اليهوديّة أو الذي تحرّر عن هذا الحرف، لذا لاق بالكل أن يشكر الله عِوض الدخول في مجادلات. كما تكشف هذه العبارة أيضًا عن عادة المسيحيّين منذ العصر الرسولي، وهو تقديم صلاة شكر لله عند تناولهم الطعام.
في حكمة عجيبة سحب الرسول الطرفين من النقاش في هذا الأمر ليكشف لهما أن أمور الكل تشغل الله نفسه الذي اقتنانا بالدم الكريم، فيحسبنا خاصته، فإن عشنا له بالإيمان حُسِب ذلك ربحًا إلهيًا، وإن متنا بفقدان الإيمان حُسِب خسارة. يقول الرسول: "لأن ليس أحد منّا يعيش لذاته، ولا أحد يموت لذاته، لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن مُتنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن مُتنا فللرب نحن. لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش، لكي يسود على الأحياء والأموات" [7–9].

إن كان الرب قد قدّم دمه الثمين سرّ خلاصنا، به نحيا ونتشدّد في جهادنا، فقد صرنا بكليّتنا في ملكيته. بهذا المفهوم لا يليق بنا إلا أن نسلِّم كل أحاسيسنا ومشاعرنا لذاك الذي افتدانا عِوض الانشغال بإدانة الآخرين، الذين هم أيضًا ليسوا ملك أنفسهم، بل ذاك الذي فدى الكل.
إدانتنا لإخوتنا تفسد حياتنا وتسيء إلى إلهنا كما إلى إخوتنا. فمن جهة تفسد أعماقنا، إذ تحمل ازدراء بالإخوة عِوض اتساع القلب لهم، وتسيء إلى الله بكونه هو الديّان الذي يخضع الكل له، مقدمًا حسابًا عن نفسه وأخيرًا تعثر الآخرين. هذا ما أعلنه الرسول بقوله:
"وأمّا أنت، فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟ لأننا جميعًا سنقف أمام كرسي المسيح، لأنه مكتوب: أنا حيّ يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله. فإذًا كل واحدٍ منّا سيعطي عن نفسه حسابًا لله. فلا نحاكم أيضًا بعضنا بعضًا، بل بالحري أحكموا بهذا أن لا يوضع للأخ مصدمة أو معثرة" [10–13]. هنا يقتبس الرسول ما ورد في إشعياء عن الله (45: 23) لينسبه للسيد المسيح بكونه الله الكلمة الديّان.

ينقلنا الرسول بولس من الانشغال بإدانة الآخرين أو الاستخفاف بالإخوة إلى الوقوف أمام كرسي الله، لا لنشعر بمهابة ذلك اليوم فحسب، وإنما لكي ترتفع أفكارنا على الدوام إلى "ملكوت الله" الذي يلزم أن ننعم به جميعًا. خلال هذا الملكوت نهتم بأمر واحد هو شركتنا جميعًا مع الله في المسيح يسوع بروحه القدوس.
يقول الرسول: "إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسًا بذاته، إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس" [14]. هنا يقدّم الرسول تصريحًا واضحًا من قِبل ربنا يسوع إن كل شيء هو طاهر للطاهرين، ويصير نجسًا للنجسين. خليقة الله طاهرة، إن أكلناها بدون تشكّك تُحسب طاهرة، لكن إن تشككنا بسبب الناموس الذي ميّز بين أطعمة محلّلة وأخري نجسة كرموزٍ وقتيّة تحقّقت في الأصل وتلاشت عندئذ تصير الأطعمة نجسة، وأيضًا إن تشكّكنا إنها قُدمت للأوثان كذبائح تصير نجسة لا لسبب إلا لتشكّك ضميرنا. هذا ما أكده الرسول لأهل كورنثوس: "كل الأشياء تحلّ لي، لكن ليس كل الأشياء توافق... كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير، لأن للرب الأرض وملؤها؛ وإن كان أحد من غير المؤمنين يدعوكم وتريدون أن تذهبوا فكل ما يقدّم لكم كلوا منه غير فاحصين من أجل الضمير، ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثنٍ فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير... أقول الضمير، ليس ضميرك أنت بل ضمير الآخر" (1 كو 10: 23–29). إن كان أمر خلاص أخيك يشغل كل كيانك لا تنشغل بأمر الأطعمة، بل من أجله أترك الطعام الذي يعثره حتى لا تعطى فرصة أيضًا للغير أن يفتروا على صلاح فكرك (عدم التعثر بالأطعمة)... بمعنى آخر حتى وإن كنت من جهة الصلاح لا تتشكّك في الأطعمة، لكن بعثرتك للضعيف يتعثّر الآخرون فيك، لأن نفس أخيك أثمن من طعامك أو عدمه.

لنهتم بملكوت الله - أي يملك فينا، أو نملك نحن به - فوق كل إاعتبار، لكي بهذا نُحسب مرضيّين عند الله، مزكّين عند الناس "لأن من خدم المسيح في هذه (البرّ والسلام والفرح في الروح القدس) فهو مرضيّ عند الله ومُزكّى عند الناس" [18].
أخيرًا يختم حديثه مطالبًا بالعمل الإيجابي البنّاء لكل نفس، قائلاً:
"فلنعكف إذًا على ما هو للسلام، وما هو للبنيان بعضنا لبعض. لا تنقض لأجل الطعام عمل الله. كل الأشياء طاهرة، لكنه شرّ للإنسان الذي يأكل بعثرة. حسن أن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا ولا شيئًا يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف. ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله. طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه. وأمّا الذي يرتاب فإن أكَل يُدان، لأن ذلك ليس من الإيمان، وكل ما ليس من الإيمان فهو خطيّة" [19–23].
إذن لتكن غايتنا هو حفظ سلام الكنيسة ووحدتها بعيدًا عن الانشقاقات. فإنه ليس بنيان للكنيسة وتثبيت لعمل الله بدون السلام والمحبّة الأخوية.

REHAM
07-17-2010, 05:04 AM
سرّ المسيح" عند الرسول بولس هو انفتاح باب الإيمان للعالم كله، لتتمتّع جميع الشعوب بخلاص المسيح المجّاني. وقد جاءت هذه الرسالة في مجملها تُعلن هذا السرّ، فتتحدث عن عمومية الخلاص. والآن يقدّم لنا الرسول هذا الأصحاح العملي متناغمًا مع فكر الرسالة كلها، ألا وهو التزام الكنيسة ككل وكل عضو فيها بانفتاح القلب نحو خلاص الجميع، محتملين الضعفاء، مهتمّين بالأمم أيّا كان ماضيهم، يسندون الرسول بصلواتهم ليحقّق في حياته وكرازته إعلان هذا السرّ، بالرغم من مقاومة بعض اليهود المتعصبين له.


1. احتمال الضعفاء

فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء
ولا نرضي أنفسنا،
فليُرضِ كل واحدٍ منّا قريبه للخير لأجل البنيان،
لأن المسيح أيضًا لم يرضي نفسه،
بل كما هو مكتوب تعييرات معيّريك وقعت عليّ" [1–3].
هذا هو "سرّ المسيح" أن كلمة الله أعلن قوته بنزوله إلينا يحمل ضعفنا لكي يرفعنا إلى كمال قوّته وبهائه ومجده؛ فالمؤمن إذ يحمل فيه "سرّ المسيح" أو فكره إنما يُدرك القوّة الحقيقية باحتماله بالحب ضعفات الضعفاء، مهتمًا بخير قريبه لأجل بنيانه، ولا يطلب ما هو لذاته. هذا العمل ليس من عنده، إنما هو عمل المسيح الساكن فيه، والذي يشتاق إلى خلاص الكل.

ثانيًا: بقوله "لأن المسيح لم يُرضِ نفسه، بل كما هو مكتوب: تعييرات معيّريك وقعت عليّ" يودّ أن يُعلن لهم بطريقة غير مباشرة،إنهم إن كانوا أقوياء، إنما لأن السيد المسيح حمل ضعفهم، فتعييراتهم وقعت عليه، إذ حمل عار خطاياهم ليُقيمهم أقوياء بعد الضعف.


ثالثًا: إن كنّا بالنعمة الإلهية نلنا القوّة في المسيح يسوع، يليق بنا ترجمة هذه القوّة عمليًا، وكما يقول الرسول:
فليُرضِ كل واحد منّا قريبه للخير لأجل البنيان" [2

رابعًا: إن كان ما قد كُتب في العهد القديم (مز69: 9) أن التعييرات قد سقطت على الأب والإبن، إنما لأجل نفعنا، لكي يبعثنا ذلك على احتمال الضعفات والتعييرات حتى بالصبر مع التعزية يكون لنا رجاء إننا نتمثّل بالله نفسه محتمل الضعفاء. هذا ما أعلنه الرسول بقوله
لأن كل ما سبق فكتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء" [4].


2. اتساع القلب للأمم
الآن إذ يوصينا باحتمال الضعفاء خلال الحب الحقيقي، واهب الوحدة في المسيح يسوع، يقدّم لنا تطبيقًا عمليًا في حياة السيد المسيح كما في حياتنا نحن أيضًا، فبالحب ضمّ السيد المسيح أهل الخِتان والأمم معًا فيه، حاملاً ضعفات الكل، وبذات الحب يليق باليهود المتنصّرين أن يفتحوا قلبهم لإخوتهم الراجعين من الأمم لله، لتتحقق فيهم إرادة الله التي سبق فأعلنها في العهد القديم من جهة قبول الأمم للإيمان بالله.
وأقول أن يسوع المسيح قد صار خادم الخِتان،
من أجل صدق الله،
حتى يثبت مواعيد الآباء،
وأمّا الأمم فمجّدوا الله من أجل الرحمة،
كما هو مكتوب: من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك" [8-9].

ماذا يقصد الرسول بهذا؟ يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم [أن إبراهيم نال وعدًا أن بنسله تتبارك جميع الأمم (تك 12: 7، 22: 18). وما حدث أن نسل إبراهيم وإن كان قد مارس الخِتان لكنه كسر الناموس وحُسب متعدّيًا فسقط بالناموس تحت اللعنة، لهذا جاء السيد المسيح خادمًا للختان، إذ أكمل الناموس ولم يكسره، حتى متى ارتفع على الصليب ينزع لعنة الناموس التي للعصيان. بهذا رفعهم السيد المسيح عن اللعنة،ليتحقّق فيهم الوعد الإلهي الذي أُعطيَ لآبائهم. هذا من جانب أهل الخِتان، أما من جانب الأمم فقد انفتح لهم أيضًا باب المراحم الإلهية لينعموا مع أهل الختان بالعمل الخلاصي جنبًا إلى جنب، فيشترك الاثنان - اليهودي والأممي - خلال نعمة الله في تقديم الحمد لله والتسبيح لاسمه.

3. مساندة في خدمة الأمم

تحدّث عن التزامهم كأقوياء أن يحتملوا ضعفات الضعفاء، وكيهود متنصّرين أن يقبلوا الأمم في الإيمان بفرح وسرور، أراد أن يلطّف الحديث معهم، فلا يجعل من وصيته أمرًا ثقيلاً على نفوسهم، لهذا بادر يمدحهم مظهرًا أن ما يطلبه منهم ليس بالكثير بالنسبة لقامتهم الروحيّة وإدراكهم، إذ يقول:
وأنا نفسي متيقّن من جهتكم يا إخوتي أنكم أنتم مشحونون صلاحًا، ومملؤون كل علم، قادرون أن يُنذر بعضكم بعضًا" [14

يحسب الرسول نفسه كاهنًا يقدّم ذبيحة الحب خلال الكرازة، فإن كان ليس من سبط لاوي لكنه كاهن الله كرسول للسيد المسيح يقدّم قربان الأمم مقبولاً ومقدسًا بفعل الروح القدس، إذ يقول:
حتى أكون خادمًا ليسوع المسيح لأجل الأمم، مباشرًا لإنجيل الله ككاهنٍ، ليكون قربان الأمم مقبولاً، مقدسًا بالروح القدس" [16

،ربّما يتساءلون: وماذا تنتفع أنت بهذا العمل الكرازي؟ لذا يجيب، قائلاً:
"فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله، لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء ممّا لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل" [17-18].
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم على لسان القدّيس بولس: [إنه يعني أنني أتمجّد لا بذاتي ولا بغيرتي وإنما بنعمة الله... انظر كيف يحاول بكل قوّة أن يظهر العمل كله لله ولا يُنسب شيئًا لنفسه

بقوّة آيات وعجائب بقوّة روح الله،
حتى إني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح،
ولكن كنت محترصًا أن أبشر هكذا،
ليس حيث سُمي المسيح، لئلاّ أبني على أساسٍ آخر" [19-20
يحثهم الرسول بولس على مساندته في خدمة الأمم بالصلاة كما بعمل المحبّة لكي يتمجّد الله فيهم يقدّم لهم نفسه مثلاً في خدمته،إنه منطلق للخدمة في غيرة بلا حدود للكرازة لا في البلاد الخاضعة لروما فحسب وإنما بين البرابرة أيضًا، لكن هذه الغيرة تلتحم بروح التواضع؛ فإن كان ينطلق من أورشليم ليخدم في كل موضع بالإنجيل حتى الليريكون، لكنه وهو يخدم لا ينطلق إلى حيث انطلق رسول آخر فيدخل على تعبه وينسب الناس النجاح إليه، بل يذهب إلى حيث لم يكرز الرسل حيث الطريق غير ممهّد والجهاد أصعب

4. شوقه لخدمتهم في روما
كما أبرز الرسولإنه لم يكتب إليهم حبًا في مجده الذاتي بل في خلاصهم، ليبعث فيهم ذات الروح من جهة الشوق لخلاص الآخرين خاصة الضعفاء والأمميّين، الآن يؤكّد لهم أيضًا أنه منذ سنوات يشتاق إليهم لزيارتهم بدافع الحب لا المجد الزمني

5. فهمه لعطاء الأمم
أعلن الرسول عن شوقه الشديد لزيارتهم، وقدّم عذرًا لتأجيله الزيارة إذ هو مضطر أن يذهب أولاً إلى أورشليم حاملاً معه عطاء الأمم لقدّيسي أورشليم الذين تعرّضوا لمجاعة، فقد سرّ مؤمنو مكدونية وآخائية الذين هم من أصل أممي أن يُحسبوا أهلاً لرد حب اليهود المتنصّرين في أورشليم بخدمتهم روحيًا بالحب بتقديم عطاءً ماديًا وقت عوزهم.

لأن أهل مكدونية وآخائية
استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا للفقراء القدّيسين الذين في أورشليم،
استحسنوا ذلك وإنهم لهم مدينون،
لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا في روحانياتهم
يجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات أيضًا" [26-27


6. جهادهم معه بالصلوات
كان الرسول يبدو متهلّلاً من أجل ثمر الروح المعلن في كنائس الأمم التي قدمت لا عطاء ماديًا مجردًا بل ثمرًا متكاثرًا، علامة حب لإخوتهم في أورشليم. الآن يثير كنيسة روما لتساهم هي أيضًا في الخدمة لا بتقديم مال لاحتياجات القدّيسين وإنما لتقديم صلوات بجهادٍ عظيمٍ لدى الله من أجله لكي يتمّم الله رسالته فيه بالرغم من مقاومة البعض له.


7. مقاومة غير المؤمنين له

لا تقف خدمتهم النابعة عن اتساع قلوبهم بالحب نحو إخوتهم الذين من الأمم عند احتمال ضعفاتهم والشهادة لعمل الله الخلاصي أمامهم، وإنما أيضًا تمتد إلى الصلاة من أجل الكارزين حتى يخلّصهم الرب من مقاومة المعاندين. ويحسب الرسول نفسه أكثرهم احتياجًا للصلاة عنه من أجل شدّة المقاومة التي يجابهها، إذ يقول:
لكي أنقذ من الذين هم غير مؤمنين في اليهوديّة، ولكي تكون خدمتي لأجل أورشليم مقبولة عند القدّيسين" [31

REHAM
07-17-2010, 10:54 AM
يُعتبر الأصحاح السابق خاتمة الفصل العملي من الرسالة وهو فصل متكامل ومتناغم مع الفصل السابق له، الفصل الإيماني، حيث يصعب فصل إيمان الكنيسة عن حياتها السلوكية. أما هذا الأصحاح الأخير والذي يمثل ختام الرسالة يقدّم لنا في غالبيته عددًا كبيرًا من الأسماء التي لا نعرف عن بعضها شيئًا؛ لكنه في الواقع يمثل صورة حيّة فيها يكشف الروح القدس عن التهاب الكنيسة بروح الحب الذي يقدّس المشاعر والعواطف المتبادلة في الرب لبنيان الكنيسة روحيًا، فكثيرون يدعوهم "أحباء" أو "أنسباء" أو "العاملين معنا في الرب"، بينما يدعو هذه "أختنا" وتلك العجوز "المحبوبة" وثالثة "التاعبة في الرب". لكل شخص لقب خاص محفور بالروح في قلب الرسول بولس

1. توصيته بخصوص فيبي
أوصى إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة (شمّاسة) الكنيسة التي في كنْخَريا،
كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين،
وتقدّموا لها في أي شيء احتاجته منكم،
لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولي أنا أيضًا" [1-2
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [انظروا كيف يكرمها بطرق كثيرة، فقد أشار إليها قبل الكل ودعاها أخته. وهذا ليس بالأمر الهيّن أن تدعى أختًا لبولس؛ كما ذكر رتبتها بكونها "شماسة" (خادمة)... ليهتمّوا بها على أساسين: يقبلوها من أجل الرب، ولأنها هي نفسها قدّيسة

2تحيات شخصية

إن كانت هذه الرسالة تقدّم لنا أسماء 26 شخصًا أغلبهم لا نعرف عنهم شيئًا، لكنّنا نشعر بأهمية هذا الجزء من الرسالة، إذ يقدّم لنا صورة حيّة لقلب رسولنا بولس الذي يظهر عاطفته الحانية واعتزازه وتقديره للمشاعر المقدّسة في الرب.
يلاحظ في ال 26 اسمًا، أن اسمًا واحدًا عبرانيًا هو "مريم" وأربعةأسماء لاتينيّة هي أمبلياس وأوربانوس وجوليا ونيريوس، وبقيّة الأسماء يونانية

سلّموا على بريسكلاّ وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع،
اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي،
اللذين لست وحدي أنا أشكرهما،
بل أيضًا جميع كنائس الأمم،
وعلى الكنيسة التي في بيتهما" [3–5
جاء ذكر أكيلا وزوجته بريسكلا في (أع 18: 2، 18، 26؛ 1 كو 16: 19؛ 2 تي 4: 19)؛ وهما يهوديّان يعملان كصانعي خيام، تركا روما كأمر كلوديوس قيصر عام 49 الذي طرد جميع اليهود من روما، ليعودا ثانية. كانا تاجرين غنيين وتقيين، كانت الزوجة أكثر غيرة على ما يظن، لذا ذكرها الرسول قبل زوجها (أيضًا في 1 كو 16: 19؛ رو 18: 2). التقى بهما الرسول لأول مرة في كورنثوس (أع 18: 2) وبقي معهما حوالي 18 شهرًا وذهبا معه إلى أفسس (أع 18: 18)، ثم رجعا إلى روما. أينما وُجدا كان يفتحان بيتهما ككنيسة لخدمة المؤمنين الغرباء ويجتمع فيها المؤمنون للعبادة.
لقد عرض هذين المؤمنين حياتهما للخطر بسبب معلمنا بولس الرسول ربّما أثناء الشغب الذي حدث في كورنثوس (أع18: 6-10) أو في أفسس (أع19: 31-32)... لذلك يبقى لا الرسول وحده بل وجميع كنائس الأمم يقدّمون الشكر لهما

سلّموا على ابينتوس حبيبى الذي هو باكورة أخائية للمسيح" [5
كلمة "أبينتوس" من أصل يوناني تعني "مستحق للمديح"، وهو أول من قبِل الإيمان في آسيا الصغرى على يدي الرسول. يدعوه الرسول حبيبه وباكورة عمله هناك، وكأنه يسأله أن يرد الحب بالحب

سلّموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيرًا" [6]
لا نعرف عنها شيئًا، إلا أنها كانت نافعة للرسول في خدمته قبل ذهابها إلى روما. وكأنّه يطالبها أيضًا ألا تكف عن التعب من أجل الخدمة.
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: [ما هذا؟ لقد كُرمت امرأة وحسبت متنصرة! أفلا نخجل نحن كرجال؟... إننا نحسبه كرامة لنا أن توجد نساء بيننا كهذه، ولكنّنا نخجل إن كنّا كرجال صرنا خلفهن

سلّموا على أندرونكوس ويونياس نسيبي المأسورين معي اللذين هما مشهوران بين الرسل وقد كانا في المسيح قبلي" [7].
الاسم الأول من أصل يوناني يعني "الغالبين"، والثاني من أصل لاتيني، وهما يهوديان يمتّان بصلة قرابة للرسول، احتملا السجن معه في وقت غير معروف، يعتزّ بهما لأنهما قد عرفا السيد المسيح قبله، ولهما دورهما الهام في الخدمة حتى صارا مشهورين بين الرسل

سلّموا على أمبلياس حبيبي في الرب" [8
كلمة "أمبلياس" من أصل لاتيني تعني "مُكبّر" أو "مُضخم

سلّموا على أوربانوس العامل معنا في المسيح
وعلى أستاخيس حبيبي، سلّموا على أبَلِّس المزكّى في المسيح،
سلّموا على الذين هم من أهل أرستوبولوس،
سلّموا على هيروديون نسيبي،
سلّموا على الذين هم من أهل نركسيس الكائنين في الرب" [9–11
أوربانوس" كلمة لاتينية تعني: "قاطن مدينة، "أستاخيس" كلمة يونانية تعنى: "سنبلة قمح"، "أبَلِّس" ربّما مشتقّة من "أبولو، "أرستوبولس" كلمة يونانية تعني: "ناصح حكيم"، "هيروديون" ربّما من "هيرودس "أي" من نسل بطولي، "نركسيس" كلمة لاتينية من أصل يوناني معناها غير أكيد

يلاحظ إن الرسول يمدح الجميع، فيدعو الأول عامل معه في خدمة السيد المسيح، والثاني حبيبه، والثالث مُزكى في المسيح ربّما لاجتيازه ضيقات كثيرة بصبره أو لجهاده في الخدمة الخ. أمّا بالنسبة لأهل أرستوبولس وأهل نركسيس فربّما كان هذا الاثنان وثنيين وصار لهما عبيد أو أبناء مؤمنون معهما.

يهدي الرسول السلام أيضًا لتِريفينا وتِريفوسا، وهما كما يقالإنهما كانتا جاريتين قد تعبتا في الرب واستحقتا مديح الرسول بولس. الاسمان لاتينيّان مشتقّان عن الكلمة اليونانية التي تعني "رقيقة" أو "لطيفة". كما يسلّم على برسيس، اسمها يوناني معناه "فارسي"، لم يخجل من أن يدعوها "المحبوبة" من أجل كبر سنّها.
يذكر أيضًا روفس الذي يقال أنه ابن سمعان القيرواني الذي حمل مع السيد
المسيح صليبه (مر 15: 21)، وقد شهد لأم روفس إنها في محبّتها للرسول وخدمتها له صارت "أُمّا" له

3. القبلة الروحيّة العامة
بعد أن قدّم التحيات لأسماء معينة، من رجال ونساء، خدام للرب وشعب، سادة وعبيد وجواري، أعلن حُبّه للجميع، الذين لا يعرفهم بالاسم، ليس حُبّه وحده وإنما حب الكنائس كلها لهم: "سلّموا بعضكم على بعض بقبلةٍ مقدّسة، كنائس المسيح تسلم عليكم" [16]. كانت القبلة الروحيّة تمثل جزءًا لا يتجزأ من العبادة، علامة الحب الذي بلا رياء، وإلى يومنا هذا نسمع الشماس في القداس الإلهي، يعلن: "قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدّسة

4. تحذير من المعلِّمين الكذبة
يحذّرهم الرسول بولس من صانعي الانشقاقات والعثرات، هؤلاء الذين هم جسدانيّون يخدمون بطونهم لا المسيح.
يسألهم الحذر من المعلِّمين الكذبة الذين: "بالكلام الطيّب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء" [18]، إذ هم مخادعون ينطقون بالكلمات المعسولة على خلاف ما في باطنهم. لذا يليق بنا أن نكون حكماء للخير وبسطاء للشر [19].
إن كان العدو يستخدم أساليب الخداع والمكر ليصطاد النفوس البسيطة في شباكه، فإن مسيحنا قادر أن يسحقه: "وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم، نعمة ربنا يسوع المسيح معكم، آمين" [20

5. ذكصولوجية "ختام
جاءت الذكصولوجية هنا تحمل صدى ما جاء في الرسالة ككل، إذ عبّر فيها عن الحاجة إلى الله الذي لا يهب فقط الإيمان، وإنما يهبنا ثبوتنا فيه أيضًا. وإن السرّ الذي أعلنه لنا في ملء الزمان هو السرّ الأزلي الخفي، الذي تنبّأ عنه الأنبياء: سرّ قبول جميع الأمم لإطاعة الإيمان، إذ يقول:
والقادر أن يثبّتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السرّ الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن وأُعلم به جميع الأمم بالكتب النبويّة، حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان، لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد، آمين" [25–27

صلوا من اجل ضعفي